يقول الداعية العالم فتحي يكن متحدثا عن رمضان في كتاب: “قوارب النجاة في حياة الدعاة”: 

إنه أسلوب عملي في التربية الربانية.. أسلوب له أثره العميق في تهذيب النفس وتشذيبها، وفي تعبيدها الله رب العالمين. إنه لا يكفي أن نؤمن بالله إيمانا نظريا، أو نتكلم عن التربية الربانية كلاما لا يجاوز الألسن أو الآذان.. بل لا بد من ممارسات عملية تستخلص النفس من أدرانها وشوائبها، وترتقي بها في مدارج الكمال. والصوم أحد أبرز الرياضات النفسية.. فهو يقويّ الإرادة، ويجعل للإيمان والتقوى قوامة على الجسد وحاجته العضوية.. بل يجعل الجسد مطية الروح، فبالصوم يرهف الحس، ويتعاظم الشعور، ويصفو الفكر وتشف النفس. ولهذا كان ثواب من صام لله ايمانا واحتسابا في أيام شديدة الحر، أن يعافيه الله من حر يوم القيامة.. فالجزاء من جنس العمل، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”. إنه قياس مع الفارق الكبير والكبير جدا أن يقاس بين حر الدنيا وحر الآخرة، وبين مشقة الصوم في يوم حار ومشقة يوم النشور ولكنه كرم الله وفضله.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا.. قلت: يا رسول الله: النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم الى بعض”. رواه البخاري. وصدق الله تعالى حيث يقول: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم”. رواه مسلم. ويقول: “فيكون الناس على أقدار أعمالهم من العرق: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق الجاما”. رواه مسلم. هذا الكرب العظيم يدفعه عن المؤمن صدق إيمانه، وصدق التزامه بدينه، وحسن ظنه بالله، وتقرّبه إليه بالصوم والصلاة وسائر العبادات والطاعات.. وهذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي عائشة فيقول: “أديمي يا عائشة قرع باب الجنة بالجوع”. ولهذا ضاعف الله أجر الصائمين وأجزل لهم الثواب؛ فقد جاء في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي”.

ولقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقام الصائمين الذين استعلوا على أهوائهم وغرائزهم ولجموها بلجام التقوى فقال: “إن في الجنة بابا يقال له الريّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل أحد غيرهم، فإذا دخلوا غلق فلم يخرج أحد”. ثم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أن الصوم يكون حجابا بين صاحبه وبين النار فقال: “ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا”.