مرحبا وأهلا وسهلا بضيفنا الكريم، شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران، شهر لطالما انتظره رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته رضوان الله عليهم بشوق كبير، راجين وطالبين الله أن يبلغهم المولى عز وجل هذا الشهر الكريم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان” 1، وذلك لما فيه من أرزاق ونفحات وموائد ربانية لا تكون في غيره من الشهور. فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار …” 2.

ابتدأت العشر الأوائل، عشر الرحمة، بدأها سبحانه بها ليقبلنا ويتجاوز عنا. فبرحمته يغفر لنا، ويرفع مقامنا ويجيرنا من النار، بل أكثر من ذلك، برحمته ندخل الجنة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لن ينجي أحدا منكم عمله قال رجل ولا إياك يا رسول الله قال ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة” 3، فبرحمته يحلم ويغفر، ويمهل ويتوب، وبها تلين القلوب، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ 4، فيتراحم الناس فيما بينهم ويعم فضلها ونورها الأرض، “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” 5.

فزادُك من رحمة الله في رمضان أيها المؤمن إن أنت اغتنمتها على الحال التي بها يرضى الله عنك، هي بشرى عظيمة بالحياة الطيبة والسكينة والسعادة القلبية والطمأنينة به سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً” 6.

فبادر أخي المؤمن في هذه الأيام بفعل الصالحات وهجرة المعاصي والمنكرات، وهجرة أصدقاء السوء، وجاهد في ذات الله نفسك، رجاء أن تنال نفحات من رحمة الله فلا تشقى بعدها أبدا، قال الله تعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ 7. وأحسن علاقتك بالله: مراقبة له، وإحسانا للوالدين والأقربين والناس أجمعين، وإكراما لزوجك وولدك، وصلة لرحمك، وتنافسا في الخيرات، وإتقانا لعملك وشغلك، وإطعاما للطعام وإكراما للضيوف والفقراء والمساكين. فقد قال سبحانه: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 8 . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة بالعطاء، كان أجود ما يكون في رمضان. وتعرض أخي لنفحاته بكثرة الذكر من تلاوة القران، والتهليل والتسبيح والاستغفار، متضرعا ومتبتلا، ومنكسرا بين يدي الله، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: “أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي” 9.

وليكن حظك من الليل وفيرا، في القيام بين يدي العلي القدير، تائبا مستغفرا سائلا حاجتك، واقفا بالباب حتى تقضى. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ” 10. ولا تنس أخي مجالسة الصالحين للتفقه والتعلم والتعاون على البر والتقوى، فالمؤمن ضعيف بنفسه قوي بأخيه، وليكن كتاب الله أنيسك حفظا وترتيلا وقراءة ومدارسة، وليكن لك أيها المسلم ختمات في هذا الشهر الفضيل. فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: “من قَرأ حرفاً من كتاب الله فَلَهُ به حَسَنَةٌ، والحسنَةُ بعشْر أمْثالها، لا أقُول الم حرفٌ ولكن ألفٌ حرفٌ ولاَمٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ” 11. وعنه رضي الله عنه أيضاً أنَّه قالَ: “إنَّ هذا القرآنَ مأدُبةُ اللهِ فاقبلوا مأدُبَتَه ما استطعتمُ، إنَّ هذا القرآن حبلُ اللهِ المتينُ والنورُ المبينُ، والشفاءُ النافعُ، عصمة لِمَنْ تمسَّكَ بِهِ ونجاةٌ لِمَنْ اتَّبعَهُ، لا يزيغُ فَيُستَعْتَب، ولا يعوَجُّ فيقوَّمُ، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ من كثرةِ التَّرْدَادَ، اتلُوه فإنَّ الله يَأجُرُكُم على تلاوتِهِ كلَّ حرفٍ عشْرَ حسناتٍ. أمَا إني لا أقولُ الم حرفٌ ولكِنْ ألِفٌ حرفٌ ولاَمٌ حرفٌ وميم حرفٌ” 12.

جعلنا الله ممن يغنم هذا الشهر الكريم كاملا تاما، وأن يبوئنا فيه منازل المقربين، وأن يجعل لنا الخلود في النظر إلى وجهه الكريم، مع سيدنا محمد وآله وصحبه الميامين في روح وريحان وجنة نعيم، آمين.


[1] رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق ابن منيع.
[2] رواه ابن أبي أسامة وابن خزيمة.
[3] رواه البخاري ومسلم.
[4] سورة آل عمران: 159.
[5] رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي.
[6] رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه.
[7] سورة البقرة: 218.
[8] سورة الأعراف: .56\
[9] جرى ذكره في البداية للغزالي.
[10] رواه الترمذي في سننه.
[11] رواه الترمذي.
[12] رواه الحاكِم.