يواصل فضيلة الأستاذ محمد عبادي قراءته في كتاب شعب الإيمان للإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله.

وفي هذه الحلقة يتحدث عن صحبة الإخيار انطلاقا من الشعبة الرابعة: “صحبة المومنين وإكرامهم”.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.

حديث فيه فوائد كثيرة ويدل على أن دين المرء على دين أصحابه فإذا صحب المومنين كان من المومنين وإذا صحب المحسنين كامن من المحسنين وإذا صحب الأولياء كان من الأولياء.

“على” تفيد المساواة: على دين خليله. على أن الصحبة ينبغي ان ترتقي إلى المخاللة والمخاللة هي الصحبة في أعلى مراتبها حيث يندمجان عاطفة وروحا ومشاعر وتصورا فيشكلان كيانا واحدا رغم اختلاف الأبدان ولكن المحتوى فيهما واحد في هذه الأواني.

يقول البعض مالنا وللمصحوب نكتفي بكتاب الله وسنة رسوله ولا نحتاج أن نصحب أحدا. وينسون أن الكتاب هما اللذان يأمران بطلب الصحبة. ومن الأدلة هذا الحديث: “فلينظر”: يعني فليبحث.. والآيات كثيرة جدا: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين.. واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه

سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي جلسائنا خير؟ فقال: “من ذكركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه وذكركم بالآخرة عمله”.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل الجليس الصالح والسَّوْء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما تبتاع منه وإما أن تجد ريحا طيبا، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة”.

هذا تشبيه..

يحذيك: يعطيك. إذا جالست أقوام سوء لا بد أن تتأذى منهم والطباع تسرق من الطباع. تسمع الغيبة والنميمة و… وإيمانك يضعف ويتلاشى، أما المومن فتستفيد منه لا شك وكلما كان إيمانه أقوى كانت الاستفادة أكبر.

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي”.

لأن الصاحب صاحب يصحبك. فهل معنى هذا ألا يجوز أن يصحب المومن الكافر والفاجر والفاسق؟ الصحبة المنهي عنها لهؤلاء هي صحبة المحبة والاتباع، أما الصحبة بنية الدعوة والإرشاد وإقامة الحجة فهذه الصحبة مطلوبة.

“لا يأكل طعامك إلا تقي”.. المومنون أولى، ولكن ليس معناه ألا نطعم الناس من الكفار وغيرهم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “الناس معادن كمعادن الفضة والذهب ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”.

المعادن متنوعة والناس كذلك. معادن من حيث أصولهم وطبائعهم.

من كان في الجاهلية من ذوي المروءات والأخلاق يفدون الأسير ويطعمون الكعام فلما جاء الإسلام وأسلموا ازدادوا رفعة على الآخرين.

وعن أُسَيْرِ بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن] سألهم: أفيكم أويسُ بنُ عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنتَ أُوَيس بنُ عامر؟ قال: نعم، قال: مِن مُراد ثم من قرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، مِن مُراد ثمَّ مِن قرن، كان به برص فبَرَأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل”، فاستغفِرْ لي، فاستغفَرَ له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكونُ في غبراء الناس أحب إليَّ، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر فسأله عن أويس؟ قال: تركتُه رثَّ البيت، قليل المَتاع، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، مِن مراد ثم من قرن، كان به برص فبَرَأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل”، فأتى أويسًا فقال: استغفِرْ لي، قال: أنتَ أحدثُ عهدًا بسفر صالح، فاستغفِرْ لي، قال: استغفِرْ لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفرْ لي، قال: لقيتَ عمر؟ قال: نعم، فاستغَفَرَ له، ففَطِن له الناس، فانطلق على وجهه، قال أسير: وكسَوْتُه بُرْدةً، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البُرْدة؟

هذا الحديث من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

كان أويس من العباد الذاكرين الصالحين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر مزية البرور بالوالدين التي رفعته إلى هذه المنزلة العظيمة وحبسته عن الحضور للمدينة المنورة لأنه حبس نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم.

الخمول مخافة ما يترتب عن حب الظهور من الزهو والكبر أمر مطلوب

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين

حياة أويس القرني درس بليغ لمن أراد أن يسلك إلى الله.. كيف يتعامل مع الدنيا.. ومع والديه.. كيف يزهد في الدنيا.. كيف يفر من الشهرة والمناصب.. كيف يفرغ نفسه لطاعة اله وعبادته عز وجل.