في هذه السلسلة -إن شاء الله- سنتحدث عن المنحة الإلهية والهدية الربانية.. سنتحدث عن رمضان وفضله.. والعشر الأواخر وبركتها.. وليلة القدر ومكانتها.. والعيد ودلالاته.. وما بعد رمضان وكيف نحياه؟ …

سنتحدث عن كل ذلك وغيره في هذه السلسلة الخاصة بشهر رمضان المعظم وذلك تحت عنوان: “يا باغي الخير أقبل”. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالح الأعمال في هذا الشهر الفضيل. وباسم الله نبدأ وعليه نتوكل وبه نستعين.

مرحبا بك أيها الضيف الكريم.. حللت أهلا ونزلت سهلا..

“اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه وترضاه، هلال رشد ورشاد، وبركات وخيرات، وفتح ونصر وتمكين إن شاء الله”.

أخي القارئ/أختي القارئة: في حلقتنا الأولى -هذه- سنجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لنتأمل بعض أحاديثه الشريفة في فضل شهر رمضان صحبة لأنفاسه الطاهرة، وسنجلس بعد ذلك إلى بعضِ ورثته من الذين كان لهم مع الله شأن فننصت إليهم عل ذلك يوقظ الهمم ويشحذ العزائم ويقوي الإرادات لنسمع منادي الفلاح في هذا الشهر الفضيل فنهبَّ ونلتاع وننهض للعمل.

– قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: “يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيام نهاره فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شئ، قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو على شربة ماء، أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار. ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة” 1.

“إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة” 2.

“أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلْقُوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله” 3.

“الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر” 4.

“كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي بِهِ، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أَحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما:إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه” 5.

“من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 6.

“ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر” 7.

“الصوم جنة فإذا كان أحدكم يوما صائما فلا يرفث و لا يجهل فإن امرؤ شتمه أو قاتله فليقل إني صائم” 8.

“لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور” 9.

“من فطَّر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا” 10.

“من فطَّر صائما في رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها وصافحه جبريل، ومن يصافحه جبريل يرق قلبه وتكثر دموعه، قال رجل: يا رسول الله! فإن لم يكن ذاك عنده؟ قال: قبضة من طعام، قال: أرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: ففلقة خبز، قال: أفرأيت إن لم يكن ذاك عنده؟ قال: فمذقة لبن، قال: أفرأيت من لم يكن ذاك عنده؟ قال: فشربة من ماء” 11.

“من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” 12.

“السحور أكله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين” 13.

“أفضل الصدقة صدقة رمضان” 14.

“عمرة في رمضان تعدل حجة” 15.

من أقوال المربين في شهرالصيام

يقول الإمام الغزالي (رحمه الله): 16 (اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص، أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا).

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا (رحمه الله): (إن الله تبارك وتعالى جعل هذا الشهر معظماً، فاختصه بمزايا كثيرة، وجعله مرحلة من مراحل الحياة الثمينة، ومحطة من محطات السير فيها على النهج القويم، يصرف المسلم فيه أعظم همته إلى الله، ويتجه فيه بكليته إلى آخرته، والسمو بروحه قبل مادته، فهو شهر الروحانية وصفاء النفس والمناجاة والإقبال على الله، والاستمداد من القوي العلي الكبير، والاتصال بالملإ الأعلى (…) فشهر رمضان سؤال ومناجاة وهداية ورشاد ليعد الصائم فيه نفسه، ويبعدها عن خلط المادة لترقى ببشريتها وتتصل بربها.

وقد وردت الأحاديث لتلفت أنظار الناس إلى فضيلة هذا الشهر وعلو مكانته، وشرف أيامه، وجزالة التوبة فيه، مما يهيب بالمسلمين أن يعدوا أنفسهم ويجهزوها لملاقاته، ويشعروها بأن التجارة فيه رابحة، والأوقات التي سنجتازها أوقات غالية، وأن الفرصة فيه سانحة).

ويقول: (رمضان شهر شعور وروحانية وتوجه إلى الله، وأنا أحفظ – فيما حفظت – أن السلف الصالح كانوا إذا أقبل رمضان ودع بعضهم بعضا حتى يلتقوا في صلاة العيد وكان شعورهم، هذا شهر العبادة وشهر الصيام والقيام فنريد أن نخلو لربنا).

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله) بتصرف: (هذا على الحقيقة ليس شهرا، بل -والله- أشبه بفصل الشتاء في حلوله على الدنيا بالجو الذي من طبيعته السحب والغيث، ومن عمله إمداد الحياة بوسائل لها ما بعدها إلى آخر السنة، ومن رياضته أن يكسبها الصلابة والانكماش والخفة، ومن غايته إعداد الطبيعة للتفتح عن جمال باطنها في الربيع الذي يتلوه.

كما أن هذا الشهر يدخر فيه الجسم قواه المعنوية التي يودعها مصرف روحانيته، ليجد منها عند الشدائد مدد الصبر والثبات والعزم والجد (…) ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك مدرسة الثلاثين يوما!).

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين (رحمه الله) بتصرف يسير -جدا-: (للصوم زيادة على أثره التربوي فضلٌ في رفع الروحانية وتصفيتها، فهو إمساك الجسم والنفس عن مبتغاهما وتزكية نية القرب إلى الله فتكتسب الروحانية شفافية، إن هذه النفوس أقرب ما تكون للالتئام والتحاب والتعاون إن تهذبت من كدورات الشهوات وسمت عن الماديات، في رمضان تسود روحانية خاصة … فعلى الصائمين أن يحافظوا للشهر المبارك بوظيفته).

فانظر أخي/أختي ما أكرم هذا الضيف الذي (أتى إلينا حاملا بين ثناياه عبق الرحمة ونسمات المغفرة وبشرى العتق من النار، يكسو الكائنات ذلا وخشوعا للواحد القهار، ويضفي على القلوب انكسارا وخضوعا بين يدي العزيز الغفار، وترفرف القلوب عنده شوقا ورجوعا إلى الرحيم المنان.. ضيفا عندما يضع رحاله بين ظهرانينا فلا بد للأرواح أن تلتقي طمعا في كرم الرحمن، ولا بد للأنفس أن ترتقي لتعانق الجنان، يا فوز من بلغه فجادت نفسه ولو بشق تمرة تنقذه من النار، ويا فلاح من أدركه فترقرقت من عينه دمعة يذرفها في دجى الأسحار، ويا سعد من عانقت دعواته ليلة القدر فعاش هنيئا ينعم باستمرار).


[1] رواه ابن خزيمة في صحيحه.
[2] أخرجه الترمذي عن أبي هريرة.
[3] رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة.
[4] رواه مسلم وغيره.
[5] حديث قدسي، متفق عليه.
[6] متفق عليه.
[7] رواه البيهقي وصححه الألباني.
[8] متفق عليه.
[9] متفق عليه.
[10] متفق عليه.
[11] أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان وابن خزيمة وصححه الألباني.
[12] متفق عليه.
[13] رواه البخاري ومسلم.
[14] أخرجه الترمذي.
[15] أخرجه البخاري ومسلم.
[16] لن أذكر المصادر على الهامش حتى لا أثقل المقال بالإحالات، وسأعتمد هذه المنهجية في السلسلة بكاملها.