– غزة وإرباك الصفقة والقرار
صفقة القرن ليست آلة تخريب خاصة بتصفية القضية الفلسطينية والمقاومة في غزة بل هي تستهدف الأمة والشعوب تدميرا وتخريبا، والحركات والحراكات والمؤسسات إجهازا وحصارا، والرموز الشخصيات اغتيالا واعتقالا.

الصفقة جهاز يقوض في مرحلة تمهيدية كل مقومات الأمة وبواعثها وأوتادها وآمالها وجبالها ضربا لكل مشوشات مستقبلية يمكنها أن تحرك الشعوب ضد عملية تنفيذ الصفقة. وهي آلة تخريب لكل القوى الشعبية والمؤسساتية، وضد شعوب يمكنها أن تعارض في الخطوة الثانية عملية تهويد القدس والمسجد الأقصى وضرب المقاومة.

اليوم كل شعب مستهدف من الداخل بالتفقير والتجويع والإضعاف الممنهج والتقسيم الانفصالي والتشتيت الطائفي، ومستهدف بضرب كل مقوماته المناصرة للقضية الفلسطينية والمرتبطة بالشعب الفلسطيني خصوصا عبر الاختراق الصهيوني التطبيعي، كي لا تكون لنا موجة خروج للرفض والاحتجاج ضد الأنظمة الفاسدة الحامية للكيان الصهيوني وضد جرائم الاحتلال.
ما هو مقبل أشد وأعظم لكن إرادة الشعوب ستفاجئ الكثير من قادة العرب وأرباب صفقة القرن من ظنوا أن الشعوب انحطت وضعفت بسبب صفقة سايس بيكو المقسمة للأمة إلى أقطار، من توهموا أن الأمة انتهت  بسبب حصارها لمدة مائة عام واحتلال بيت مقدسها واغتيال مقوماتها والانقلاب على ثوراتها في 2011.
ولعل بوادر إفشال صفقة القرن هو خروج الإرادة الشبابية الشعبية من غزة لتربك الكيان الصهيوني بقوة بصلة وكوتشوك وورق طائر حارق.
ونظن أن القادم أعظم مع خروج باقي الشعوب غضبا وضجرا من سياسة الأنظمة الاستبدادية العربية الحامية للاحتلال وغضبا من الكيان الكبير الصهيوني.
– غزة ومفاجئات منتصف ماي
بعد قرار ترامب اتخاذ القدس عاصمة ل”إسرائيل”، هاهي يافطات السفارة الأمريكية تقول من هنا الطريق لتهويد القدس وتنزيل صفقة قرن وافق عليها بعض قادة العرب، لكن في المقابل لا ينبغي لأرباب الاستكبار العالمي أن يغفلوا فكرة محتواها أنه  “إذا كانت اليافطات والعلامات والخطى ترسم الطريق لتصفية بيت المقدس و فلسطين وضرب غزة والمقاومة، فإن عجلات مسيرة العودة وكوتشوكات غزة ترسم الطريق الحق للمواجهة والرفض الحقيقي لصفقة قرن تريد بيع فلسطين وغزة والقدس بل تريد تصفية كل مقدرات الأمة”.
التحركات والإرادات الغزية قبل مسيرة العودة وفيها وبعدها تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية التي ستقدم صفعة كبيرة خلال منتصف ماي  للأجندة العربية والصهيونية والأمريكية الساعية لاجتثاث الإنسان الفلسطيني من فلسطين، والراغبة في اجتثاث المقدس من بيت المقدس المعبر عن أمل الأمة وقوتها وبركتها ونورها ويومها الموعود لزوال الكيان، بل وتريد الصفقة هذه المرة  اجتثاث الإنسان المسلم الطامح للتغيير  والتحرر من قبضة الحكام، وتريد تصفية الإنسان الذي يمكنه في أي وقت أن يحرر نفسه، فأرضه، فقطره، فكل الأقطار، فالقطر الأساس فلسطين من بلاء أصاب الأمة وهو علو بني إسرائيل ومن معها من أحجام أمريكية وغربية وعربية.
عجلات الكوتشوك وعجلات التاريخ والأمة والشعوب هي التي ستقول كلمتها اليوم في مسيرة العودة وبعده دعما لمسيرات ماي وتحركات إخواننا المستضعفين في كل فلسطين.
والعجيب أن يخرج من المسؤولين العرب ممن يتسابقون للتطبيع من يصرح للفلسطينيين تهديدا وإرهابا: “إما أن تنهوا قضية فلسطين أو اخرسوا لنتدخل”، بل ويخرج آخر مشاركا بتغريدة ملفقة مصحوبة بدراجة هوائية ليقول: “لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها” غزلا وعشقا لتاريخ صهيوني عبر عنه وزير الاتصالات الإسرائيلي: “إنها (أي التغريدة) تشكل دعما تاريخيا لإسرائيل”.
ونقول لمن أرادوا إخراس صوت الشعب الفلسطيني وإنهاء القضية الفلسطينية بتسابق تطبيعي أن “الشعب الفلسطيني  بمعية الأمة ناضل وقاوم ضد الاحتلال الصهيوني والبريطاني  لمدة مائة عام منذ  الصفقة الأولى سايس بيكو في 1917 وما استطاع الاستكبار العالمي تصفية وجود صمود الشعب الفلسطيني وإخراس حقه في الذود عن القضية المصيرية والعقدية والإنسانية”.
وفوق كل ذلك هناك إرادة الله وسنة الله التي هي فاعلة ومحطمة لكل قوى الجبر  والتسلط.
ولا بد أن  مباغتة ثورات البوعزيزي والربيع العربي لحكام سقطوا درس وعبرة  تؤرق البعض خوفا من تقويض وزلزلة كراسيهم مستقبلا مادام في الأمة قلب ينبض يوجد ببيت المقدس وغزة.
– لماذا يخشى أرباب صفقة القرن فعل الشباب العربي والإسلامي؟
ما يقلق الكيان الصهيوني وأرباب الصفقة ليس فقط تحرر إرادات  الشباب الغزي وقوة ابتكارهم في آليات التحرير والمقاومة الشعبية بل أشد ما يقلقهم ويفزع سادتهم العرب هو أن تسري روح الإبداع والتغيير والنصرة والمقاومة الشعبية إلى روح الشباب العربي والمسلم، وتنتقل الإرادة الشبابية الشعبية الغزية إلى أراضي الشعوب فتتوغل روحا تسري في قلوب الشباب فتنتج إرادات قوية شبابية كمثيل ونسخة عن الإرادة الشبابية الرائعة التي انتصرت وغيرت وفضحت، بل وما يخشونه أن تحرك هذه الإرادة الغزية كوامن الداخل الشبابي العربي والإسلامي لتنتقل إلى فعل إرادي آخر يكمل مشوار الثورات لكن هذه المرة بقوة غير مسبوقة تستهدف كل أنظمة الفساد التابعة للاستكبار الصهيونية والأمريكي.

– الإرادة الغزية تسري في نفوس الشباب العربي والإسلامي.. كيف؟
بعد مسلسل تدمير  أرباب صفقة القرن شعوب المنطقة والأمة سياسيا واجتماعيا وثقافيا منذ مائة سنة بعد “سايس بيكو ووعد بلفور”، وبعد التخريب الذي شتت الأمة خصوصا بعد انقلابات على ثورات الربيع العربي والشعوب العربية والإسلامية، وبعد المضي نحو تصفية بواعث الأمة و مقوماتها خوفا من النهوض واليقظة، بعد كل هذا التطور يخشى أنظمة الجبر والديكتاتورية من بصيص أي باعث على الأمل في منطقة ما، ويخشى أرباب الصفقة والاستكبار العالمي من بوصلة توجه إرادة الأمة وتوقظها بعد شتات، ويخشون من كل شرارة إبداع وتحرير إرادة،  ويخشون أي نموذج حي شبابي يبعث على الأمل ويجدد العزم ويصنع الوعي ويبلغ الفكرة أن الأمة بخير مادامت هناك نماذج شبابية تنتصر في باب العمود وعلى عتبات المسجد الأقصى وفي حدود غزة ضد جيش الأسطورة المدعم عربيا وعالميا..
صفقة القرن تريد بكل آلياتها اغتيال أي رمزية تبعث على الإرادة وتريد طمس أي تاريخ له دلالة على نصر مبين قادم بشر به الله تعالى: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا.
يخشى قطاع طرق الإرادات وأرباب تدمير الشعوب نفسيا وإراديا وعلميا من كل مقوم حي، ومن كل مؤسسة أو موضع أو مدرسة أو بقعة تصنع الإرادات وتخرج المريدين للتغيير والتحرر، خصوصا إذا كان المبعث والمنبع والمصدر هو  أرض بيت المقدس وأرض الإسراء والمعراج وأرض اليقين والوعد المنصور وأرض المرابطين وعباد الله.
وصدقت بشارة النصر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال : تذاكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل: أمسجد رسول الله أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا”. قال: أو قال “خير من الدنيا وما فيها”. أخرجه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني.
– ما المطلوب من الشعوب والشباب في مسيرة العودة وبعدها؟
* التوعية بالنصرة الحقيقية: حين ينوع شبابنا في أشكال نصرة مسيرة العودة وغزة وفلسطين فهذه دلالة واضحة أنه متحمس ولا يلخص النصرة في حمل سلاح أو سرعة تحرير، بل هو واع بكل الفهم أن التحرير درجات ومراحل ولبنات وخطوات حثيثة متئدة تضيق الخناق على الكيان الصهيوني يوما بعد يوم وبشكل جماعي وتكتلي،  كل من زاويته وتخصصه.
شبابنا يفقه كل الفقه أن الوعي تراكم وأن البغض ضد العدو الصهيوني تراكم وتراكم إلى أن تكتمل الغضبة وتكتمل معها شروط التحرك بعد تحرير الأقطار من الكيانات الاستبدادية الصغيرة المتواطئة مع الكيان الكبير روحا وحجما.
شبابنا غير مستعجل ولن يترك ركنا ولا جانبا ولا تخصصا إلا وانتصر فيه من أجل غزة والمسجد الأقصى.
شبابنا يعلم كل العلم أن الداء الصهيوني والجرثومة المسببة في تدمير المنطقة والأمة  ضروري زوالها لأنها سبب صناعة الأنظمة العربية الديكتاتورية الفاسدة التي حرمت الشعوب والشباب وحاصرته وشردته وفقرته لتخريج شباب وفق اتفاقيات أوسلو وكام ديفيد، مدجن ضعيف مدمر منهزم غثائي لا يفكر في مستقبل التحرير والتغيير ولا في ماضي الحقوق والحضارة والتاريخ.
* أشد وسائل النصرة، النصرة المتعددة الأشكال: النصرة المتعددة الأشكال هي النصرة الحقيقية  في مسيرة العودة ودعم غزة سواء  من بوابة القانون أو الرياضة أو الصورة أو الإعلام أو الفن أو الإغاثة أو العلم أو الثقافة أو السياسة أو الميدان… كل ينصر غزة وأهلها وفلسطين من زاويته وتكتله دون استصغار لهذا الدعم الذي يحرج الكيان الصهيوني ويبقي جذوة الحركة والنصرة متيقظة متجددة في شبابنا رغم كل وسائل التطبيع الإعلامي والعلمي والرياضي والسياحي والثقافي الساعية للتأثير على الشعوب بكون “إسرائيل” ليست دولة احتلال.
ولن ننسى شكل النصرة من قبل الرياضية  بلقاضي الجزائرية التي قاطعت مبارزة الفريق الصهيوني بمعية الشعب المغربي ووقفاتهم واحتجاجاتهم الرافضة التي رسمت بصمة ذل على جبين المشروع الصهيوني.
عبرت حركة بلقاضي على أن المواجهة مواجهة تعني كل الأمة والإنسانية و ليست منحصرة بين القدس والاحتلال، والصراع غير حبيس سلاح المقاومة والميدان والحركة والشارع، بل المقاومة حمالة ذو وجوه وأصناف وأنواع وتخصصات، كل من ثغره وموضعه وتخصصه.
ولن ننسى دعم حفيظ الدراجي لمسيرة شباب غزة وقوة صمودهم أمام تطبيع أرباب صفقة القرن، وبعده يبدع شباب وجمهور الجزائر في أشكال نصرة والتضامن مع غزة و شباب الكوتشوك بطريقة خاصة، حين تم إطفاء إنارة الملعب وقام الجمهور بإضاءة هواتفهم ليوصلوا رسالة تضامنهم مع غزة المحاصرة.
فكل منا ينفق من سعته لنصرة مسيرة العودة ونصرة أهلنا في غزة، كل منا من موضعه ومما يتقنه أو يتخصص فيه ولو بزيت علم أو قلم أو فتوى شرعية أو كلمة قانونية أو وثيقة تاريخية أو إعلام  أو حركة ميدانية أو فعل يرضي الله وينصر المستضعفين، فعَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي  بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: “ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، وَكَانَتِ الْبِلَادُ إِذْ ذَاكَ حَرْبًا، فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ”.
ولنا كلمة
نحن الشباب ونحن الشعوب التواقة للتحرر من رقبة الاستعباد العالمي والعلو الصهيوني  ليس لنا سلاح الدبابة أو الرصاص أو المواجهة المباشرة لكن سلاح النصرة بالقلم والعلم والقانون والدعم والتعريف بالقضية ينوب عنا، فهي كصوى وخطوات للتعبئة والإعداد  إلى أن نحرر شعوبا نفسيا وإراديا وقطريا، ونجمع طاقتها بكل أنواع القوى على تحرير بيت المقدس ومواجهة العدو الحقيقي وهو الكيان الصهيوني وداء الأمم، دون الغفلة أن من يساهم في نكباتنا وانحطاطنا علميا، وسياسيا، واجتماعيا، وصحيا، واقتصاديا، هم خدام الكيان الصهيوني والأمريكي، هم الأنظمة العربية الديكتاتورية، حكام الجبر والعض على الكرسي وهم أولى بالتحرر منهم لرسم الطريق إلى التحرير والتغيير الكبير.