“اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله، هلال رشد وخير”، بهذا الدعاء الذي رواه الترمذي عن طلحة بن عبيد الله عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، يستقبل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهرا عظيما لا كبقية الشهور، وأياما نقية خالية من كل شيطان مريد، لا تقنع النفس منها أبدا ولا تشبع من نسيمها وريحانها وحلاوتها ولا تتمنى بكل ما أوتيت من جوامع المشاعر الراقية النبيلة إلا دوامها وعدم رحيلها وانتهائها. إنه شهر رمضان الكريم، شهر الصيام والقيام، والذكر والصبر والإنابة والرجوع إلى الله بالعبادة والتقوى، والتنافس فيه عز وجل لنيل مرضاته بالتسابق والهرولة نحو فعل الخيرات والإكثار من الطاعات والأعمال الصالحات، شهر صلة الرحم ورحمة الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأبناء السبيل وغيرهم، شهر المعجزات والكرامات والبطولات والانتصارات، شهر العلاج النفسي والوقاية من كل داء يتربص بالبدن الدوائر، شهر إجابة الدعاء وفرحة المسلمين بفريضتهم الجميلة وبلقائهم مع من خلقهم وسواهم وفرض عليهم هذه الفريضة النعمة، شهر التخلص من ذنوب الماضي وخطايا السنين وآثام الأعوام ومعاصي العمر… ولأنه سيد الشهور وأميرها وملكها بدون منازع، ولأنه خاب وخسر وما أفلح وما ربح من أدركه هذا الشهر ولم يغفر له، وجب الوقوف عنده وبين يديه بكلمات تنطلق من الكتاب والسنة لتبين لنا ولغيرنا حقائق ومميزات وبركات هذا الشهر الكريم العظيم.

فضل شهر رمضان

لقد جعل الله عز وجل من شهر رمضان محطة لا تعوض لنيل الأجر العظيم والدرجات العلى من لدنه سبحانه وتعالى، فجعل أوله رحمة ووسطه غفرانا ومغفرة وآخره عتقا ونجاة من النار، وادخر له قيمة عالية استأثر وحده دون غيره بعلمها إذ جعل جميع أعمال ابن آدم له إلا الصوم فقد استثناه من ذلك وخص به نفسه فهو يجازي به كل على حسب قدرة تحقيقة لغايات وأهداف الصيام، كما أنه عز وجل جعل من هذا الشهر شهر إكرام وتكريم وإنعام وتفضيل للأمة الإسلامية فأعطاها من الفضل والخير والثواب الجميل ما لم يعطه للأمم السابقة قط، فقد أخرج البيهقي والطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وقد حضر رمضان: “أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل”، هذا جزء من فيض رحمته بنا تعالى في هذا الشهر المبارك وما خفي أعظم، ويكفي أن من صامه إيمانا واحتساب غفر له ما تقدم من ذنبه، ويكفي -وإن كان الله عز وجل يحب منا أن نطلب منه معالي الأمور في جميع أحوالنا- أن رمضان كفارة لما بينه وبين رمضان الذي سبقه كما هو الشأن بالنسبة للحج والعمرة ويوم الجمعة … فهل نحقق شرط الإيمان والإحتساب، وهل سنسعى للتكفير عما اقترفناه بين رمضان ورمضان، أم أننا سنتبع السيئة السيئة، ونفرط كما فرطنا في الأيام والشهور والأعوام السالفة.

الصوم جـنـّة

يرى الأطباء أن الصوم من أفضل الطرق الوقائية التي يتجنب بواسطتها الإنسان العديد من الأمراض المزمنة والعلل الخطيرة، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: الوقاية من أمراض السكري والقلب والكلى وضغط الدم وتصلب الشرايين والقرحة المعدية … وإذا كان للصوم هذه الفوائد الطيبة المحمودة المحافظة على صحة الإنسان، فإنه فرض على هذا الأخير ليكون جنّة -وقاية- له من كل الأمراض النفسية الخبيثة التي تستوجب في حال تمكن جراثيمها وفيروساتها وأعراضها من التحكم في الذات البشرية غضب الله عز وجل والتعرض لسخطه بدل نيله لرضاه ورحمته ودخوله ضمن المرضي عنهم، لذلك وجب التذكير أن الهدف من الصوم ليس هو مجرد الامتناع عن الأكل والشرب والجماع ولكن الهدف منه هو إزالة كل ما يحول بين المرء وربه من شوائب وعقبات كؤود مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل” وقوله أيضا فيما رواه البخاري عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس له حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”، فليس الصوم من الأكل والشرب، وليس الصوم من جماع الزوجة والتفكير في مباشرتها ومضاجعتها هو الأمر المقصود، ولكن الصوم حسب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ذلك الذي يحقق الابتعاد عن كل تصرف مشين، وفعل مذموم، وخلق وضيع، فلا صوم من هذا المنظور لمن لم تصم كل جوارحه، ولا صوم لمن لم يصم لسانه عن قول الزور وأكل لحوم الناس وهم أحياء يرزقون والتلفظ بالخنا من القول، ولا صوم لمن لم تصم أذناه عن سماع الأباطيل والترهات والمنكرات، ولا صوم لمن لم تصم عيناه عن رؤية ما حرم الله ورسوله، ولا صوم لمن لم تصم قدماه عن ارتياد الأماكن المكروهة والمحرمة شرعا من تلك الأماكن التي لا يحب الله أن يرى فيها عباده، ولا صوم لمن لم تصم يداه عن كسب المال واكتسابه بحرام أو من حرام وغير ذلك، ولا صوم لمن لم يأتمر وينتهي بأوامر ونواهي الله عز وجل ورسوله الكريم، ولكن الصوم الحقيقي المقبول هو ذلك الذي تسمو به أرواح الصائمين وتعلو به جوارحهم فلا تضعف أمام شهوة عابرة أو نزوة غابرة ولا تستجيب لمنكر ولاتقبل على حرام ولكن تنحني مسلمة وطائعة بكل ذلة وخشوع لما يحبه الله ويرضاه.

هذا هو الهدف من الصوم: خلق نفسية إنسانية مسلمة راضية مرضية تعاف الشر وتتسابق نحو الخيرات باطمئنان وأمل كبير في الله عز وجل وياله من هدف قل له النظير على الإطلاق.

رمضان شهر الانتصارات العظيمة

ما من محطة كبرى في تاريخ الإسلام والمسلمين، وما من معركة فاصلة خاضها المسلمون ضد الملاحدة والكفار والمشركين لإيصال نور الإسلام وسماحته وحلاوته للعالمين إلا وكان للصوم عامة ولهذا الشهر خاصة النصيب الأوفر والحظ الأكبر منها وفيها، ففي السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت غزوة بدر الكبرى، وهي أول سجال حقيقي بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان، وقد ظهرت في هذه الغزوة بوضوح ماذا يمكن لصوت المؤمن الصابر الصائم القانت المؤمن بقضيته المدافع عن دينه أن يفعل في جيش عرمرم يفوقه تعدادا وعدة وعتادا … وفي السنة الثامنة للهجرة وبالضبط في اليوم الحادي والعشرين من رمضان المبجل فتحت مكة المكرمة بقيادة أعظم قائد عرفه التاريخ -رسول الله صلى الله عليه وسلم- بدون إراقة دماء ولا تعدي على حقوق الآخرين، ليضرب لنا المصطفى الأمين صلوات ربي وسلامه عليه في مثل هذا الشهر أعظم مثل في العفو عند المقدرة والصبر على أذى الآخرين والتسامح المطلق عند الوصول إلى الأهداف وتحقيق الغايات، واستخدام الحكمة في محطات النصر بدل الرغبة في الثأر والإسراف فيه … وفي شهر رمضان من العام التاسع بعد الهجرة سجل المسلمون انتصارا عظيما على قياصرة الروم وجندهم في معركة تبوك بعدما ولى الروم أدبارهم هلعا وخوفا من معنويات المسلمين التي شحذتها فيهم صفقة بيع النفس مقابل الفردوس الأعلى من جنان الرحيم الرحمان … وفي العام الخامس عشر من الهجرة وقعت معركة القادسية في أيام رمضان بين الفرس والمسلمين لتكون الكلمة الفصل فيها للإسلام والمسلمين … ويتواصل الزحف الإسلامي ويسجل رمضان حضوره النير في كل المحطات والسجالات الكبرى فقد وصل القائد الجهبذ النحرير طارق بن زياد إلى الأندلس ليحررها من قبضة أعداء الملة والدين في شهر رمضان اثنتين وتسعين عاما بعد الهجرة النبوية … وفي سنة خمسمائة وثلاتة وثمانين انتصر نسر الشرق صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين القدامى ليكون شهر رمضان شاهدا على تحرير فلسطين والأراضي المقدسة من قبضات الصليبيين بعد احتلال دام ثمانية وثمانين عاما … ويأتي رمضان عام ستمائة وثمان وخمسين للهجرة وتقع معركة عين جالوت في رمضان لتسجل نصر المسلمين والعرب على جيوش التتار الهمجية … وبعد ثمان سنوات من هذا التاريخ سيقضي الملك الظاهر نهائيا على فلول التتار ليخرجهم في عز شهر رمضان من أكبر حصن له ألا وهو حصن أنطاكية …. وفي رمضان من سنة ألف وثلاتمائة وثلات وتسعين سيتذوق المسلمون طعم النصر وحلاوته بعدما فقدوه لسنين وسنين، فقد استطاعوا بفضل إيمانهم وعزائمهم أن يلقنوا إسرائيل الصهيونية درسا لم ولن تنساه إلى الأبد ….

وفي شهر رمضان أيضا انتصرت أعداد كبيرة وكثيرة من المسلمين انتصارا آخر من نوع خاص سيسجل حتما في ميزان حسناتهم فكم وكم من مدخن استطاع بفضل عزيمته ورغبته وإرادته القوية وبفضل هذا الشهر المبارك أن يقلع عن هذه العادة السيئة الفتاكة بالذات البشرية … وكم من أسير أسرته الخمرة بما لها من حانات وزجاجات وعادات، فكان أن قرر في مثل هذا الشهر التخلص من كل هذه القيود فاتجه إلى الله واستعان بالصبر والصلاة والصيام والقيام والدعاء فكان له ما أراد … وكم من مدمن على المخدرات جعل من هذا الشهر فرصة لا تعوض لاسترداد كرامته والاحتفاظ بقواه الجسدية والعقلية وإبقاء أمل الوجود في الحياة لنفسه … وكم وكم من زان ومذنب ومسيء في حق نفسه وحق غيره جعل من شهر رمضان محطة خاصة ليبدأ حياة جديدة ملؤها التقوى والتقرب إلى الله بالندم على ما فات والمسارعة نحو أبواب الخيرات ….

إنها فرصة لا تعوض، من أدركها أدرك الخير كله، ومن فرط في اغتنام غنائمها وأنفالها فلن يجديه لوم نفسه نفعا، فحيهلا من دون تراجع للتنافس والتسابق نحو كل ما هو جميل ومقرب إلى رب الجنة والناس في أول هذا الشهر وفي وسطه وفي آخره وفي الأيام والشهور والأعوام التي ستليه، وحيهلا لنكون أسرع من غيرنا في هذا المجال فالعيب كل العيب والذنب كل الذنب والعار كل العار أن نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن لم يغفر لنا في رمضان.