ما أعذبه من نداء وما ألطفه من تحفيز، من رسول كريم بالمؤمنين رؤوف رحيم: “يا باغي الخير أقبل”. نداء علوي يريدك، يقرع آذان قلبك قرعا ليحملك ويهمس في أُذنك إسماعا لفطرتك، إيقاظا للهمة وشدا للعزيمة، مغالبة للنفس والشح والهوى، تطهرا وتزكيا واستجابة للنداء في شهر هو ليس ككل الشهور.

عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) 1.

يا باغي الخير أقبل، فالأرض والسماوات أشرقت بنور ربها وتزينت وتطهرت، صفدت الشياطين ومردة الجن، حبسا للشر وطمسا للباطل، رسالة بشارة مفادها: يا باغي الخير ها هي ذي معيقات الطريق قد رفعت من لدن عزيز حكيم، فما عليك إلا أن تطأ نوازع نفسك وتصارع حجبها المانعة عن قصدك.

يا باغي الخير أقبل، تجلت رحمة الوهاب وأنبأ رسوله المبعوث رحمة للأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، أن الشهر الكريم رحمة مطلقة لها بداية وليس لها نهاية، فتلك نيران به قد أغلقت عن صائم يخشى لظى النيران، فهو سلام من السلام وهبة ذي الفضل والإنعام، لم يفتح منها باب بصيغة العموم.

يا باغي الخير أقبل فإن من أغلق أبواب النيران، كل أبواب النيران، أراد لك، وأراد منك، أن تفر إليه فرارا وتسرع إليه اضطرارا، يريد لك الأمان ويستنهض همتك بعد أن أنزل عليك السكينة، أنه لا نيران وإنما قم وشمر فأنت في موسم، في شهر، في أيام، في ليال كلها عطاء في عطاء من حنان منان.

يا باغي الخير أقبل، فهي جنة علوية قدسية، خلود في نعيم، لا غِل، لا كبر، لا ظلم، لا حقد، أبوابها مفتوحة، فهذه باب الريان، وتلك باب الصلاة وأخرى باب الجهاد وهاتيك باب الصدقة وتلكم باب التوبة ومعها باب الذكر، وإن شئت فمن باب الراضين ادخل أو كن من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فذاك باب للجنة وأي باب.

يا باغي الخير أقبل، لتكون في نعيم مقيم، ولَك بعد الحسنى زيادة، صحبة دائمة لمن كان لك هاديا، وبعثه الله إليك مناديا، سراجا منيرا سيد ولد آدم ولا فخر، تتملى برؤيته وتأنس أبد الآبدين بمجالسته، وأخرى أعظم وأعظم، رؤية وجه ذي الجلال والإكرام، ربنا سبحانه الكريم الوهاب.

يا باغي الخير أقبل ثم أقبل، طاعة وتزلفا صياما وتهجدا، للقرآن تاليا وحافظا وخادما، سارع ثم سارع، هو شهر دعوة للخير فكن لها فارسا، وهو شهر القرآن فاجعله لك ديدنا، وهو شهر الصبر فاجعله لك عنوانا، وهو شهر الرفق فبشر وأبشر، وهو شهر الجهاد فقم للحق وشمر، لا عنف، لا سفك دماء، فذاك جفاء وجفاء وبعيد عن منهاج الرحمة المهداة، وإنما عزيمة ومضاء في وجه ظلم غاشم، لعل فتحا قريبا لغد خلافة نبوية هي يقين وعد من فتح لك أبواب الحنان.

يا باغي الخير أقبل، ولا تدبر فهذا موسم العتق فلا كسل ولا ملل، بل دوام في دوام، وحزم وعزم، فإن لم تظفر بالعتق هنا فأنت خداج في خداج واعوجاج في اعوجاج، اجعل عنوانك: فاتك الرجال يا خسيسة، حتى تشد مئزرك وتوقظ نفسك وأهلك.

يا باغي الخير أقبل فإن الغاية الله والطلب الله، وهذا رمضان قد طرق بابك، فأقبل أقبل وكن باغي الخير.


[1] رواه الحاكم في المستدرك (1532) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين.