في غمرة النفحات الربانية التي تتنزل في شهر شعبان، وتفيض بخيراتها وبركاتها على الكون مع إطلالة شهر رمضان، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الداعية الأستاذ عبد الحميد المثني، يذكر مضمونه الغافل عن هذه النفحات، ويحث طالبي الرحمة على الاستزادة منها… وفيما يلي نص هذا الحوار:

روى الطبراني في الكبير عن محمد بن مسلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا”، فما هي النفحات التي رغَّبنا صلى الله عليه وسلم في التعرض لها؟

بداية أتقدم بخالص الشكر، للإخوة القائمين على الموقع، لحرصهم ووقوفهم أولا على ثغرة مهمة من ثغور جهاد الكلمة، في زحمة الإعلام المضاد لقيم الأمة، وثانيا لاستضافتي لإجراء هذا الحوار، في أمر ذي بال، يروم تغيير الإنسان وسقل روحانيته، والتي بصلاحها تصلح جوارحه ويستقيم أمره، فيستقيم أمر المجتمع والأمة.

أما الحديث عن النفحات الإلهية الواردة في الحديث الشريف، فهي نسمات وهبات من عالم الغيب، يتفضل بها الكريم سبحانه على عباده، رحمة بهم، وتوددا لتقريبهم، ليفيض عليهم، أرزاقا باطنية قلبية، يحس معها العبد بيقظة قلبية، فيقبل على ربه، ويتذوق حلاوة الإيمان، ويستشعر السكينة تتنزل على قلبه، فتفتح أمامه باب الرجاء داعيا، وباب التوبة ذليلا منكسرا، وباب المجاهدة قائما صابرا، فتنشط الجوارح بأمر سلطان القلب.

ونفحات الله في كونه منها الدائمة ومنها الموسمية، فالله سبحانه وتعالى، خلق الخلق بقدرته وحكمته، واصطفى ما يشاء من مخلوقاته، سواء كان بشرا أو زمانا أومكانا، قال تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة 1 ، فكما اصطفى من البشر رسله وأولياءه، اصطفى من الأمكنة المساجد، ومن الأزمنة مواسم الخير، وساعات تنزل الرحمات، وحث عباده للتعرض لخيراتها وأنوارها وسكينتها.

بعض من هذه النفحات حثّنا صلى الله عليه وسلم على التعرض لها في مواسم معلومة خلال العام، ما هي مواسم الخير هذه وما أهمية الاستعداد لها؟

هذه النفحات، وكما سلف الذكر، بعضها دائم يومي؛ في الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “ينزل ربنا – تبارك وتعالى – كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له” 2 ، فهذه نفحة إلهية دائمة، يتعرض لها الموفقون في دقائق الأسحار، يجيبون ربهم وقد سأل عنهم، ومنها ما يتخلل كل أسبوع، ففى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: “فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه” 3 ، ومنها ما هو موسمي كيوم عرفات يوم الحج الأكبر، وعشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان وشهر رمضان.

طالع أيضا  لا تنقُضُوا غَـزْلَ رمضانَ

من أهم مواسم الخير في العام شهر رمضان، وقبل طلوع هلاله نعيش شهر شعبان، كيف يكون الاستعداد في هذا الشهر سبيلا للنجاح في اغتنام شهر رمضان؟

رمضان موسم استثنائي في مسيرة حياة المسلم، فلا ينبغي عليه أن يدخله فاتر الهمة، غارقا في الملذات -حتى الحلال منها- خامل الجوارح عن طلب المعالي. وقد تفطن أولوا السابقة لهذه المأدبة الربانية، فسألوا الله طول العمر لإدراك رمضان. ويقدمون بين يديه من صالح الأعمال والمجاهدات، حتى إذا أدركهم شهر الغفران، كانوا على أحسن استعداد، وأقوم إمداد، قال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء)، لكثرة عكوفهم فيه على كتاب الله. وكان عمرو بن قيس إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن، وقال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شعبان استعدادا لرمضان، فعن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان 4 ..

فاستفاقة قلب المؤمن، وترويض جوارحه على طاعة المولى، وصقل روحه بالإقبال على الله تعالى، قبل رمضان، تجعله أوفر حظا في غنم أيامه، وما أغلاها وأعظمها.

كان الصحابة رضوان الله عليهم يستعدون للشهر الفضيل ستة أشهر، كما كانوا يعيشون أحواله ستة أشهر بعده، كيف كانوا يعيشون السنة كلها رمضان؟ وما هي بعض صور استعداد الصحابة لهذا الشهر الكريم على الله؟

شهر رمضان، شهر جمع الله في زمانه كله، ليله ونهاره، جوامع الخير، صوما وصلاة وصدقة وتلاوة، فكل العبادات له منها نصيب في الأداء، وأضعاف مضاعفة في الأجر والثواب، فلهذا اتخذه الصحابة رضي الله عنهم، سوق تجارة مع الحق سبحانه، يحطون فيه رحالهم، بعد انتظار وشوق ليتزودوا لمستقبل أيامهم، لأنهم يعلمون نفحات دهره، بل تذوقوها آناء الليل وأطراف النهار، فلا غرو أن نجدهم قد شدوا الرحال مبكرا، قال معلى بن الفضل (رحمه الله): كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان! ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم).

وقال يحيى بن أبي كثير (رحمه الله): كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه من متقبلاً).

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظروا إلى هلال شعبان أكبوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج الأغنياء زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف، والمسكين على صيام رمضان، ودعا الولاة أهل السجن فمن كان عليه حد أقاموه عليه، وإلا فخلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقضوا ما لهم حتى إذا نظروا هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا 5 .

طالع أيضا  قصائد رمضان (1).. الله أكبر لاح وجه المشرق

ونحن على مقربة من شهر أمة رسول الله “رمضان”، هلاَّ حدثتنا عن عظمة شهر رمضان وعن فضل صيامه وقيامه والبذل فيه؟

أقول لكل مسلم من أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم، ها هو الضيف رمضان قد حل بأرض أمة العدنان، موشحا برسالة المنان، يجمل فيها مبتغى الرحمن، من عباده في فرض صيام رمضان، حيث قال: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون 6 .

فتقوى الله إذن هي رسالة رمضان، تقوى الله هي المراد من إمساكك عن الطعام و الشراب، يدعوك بأن تلقي كل الحراب، التي تودي بك إلى مسببات الخراب، فينتهي رمضان و قد جنيت السراب، هذا ما أخبر به سيد الأحباب صلى الله عليه وسلم، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وحضر رمضان: “أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء وينظر الله تعالى الى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته فأروا الله تعالى من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل” 7 .

رمضان طرق باب قلبك، لتهيئ آنيتك عاجلا، بالتوبة إلى الله، لأن رمضان طهارة وسكون، وإقبال على الله ذو شجون، واستمطار لرحمة المنان، فطهر آنية قلبك، واغسلها بماء التوبة، لتصلح مستقرا للقرآن، ونزلا للرحمة والمغفرة والرضوان، وقبل ذلك وبعده توهب لك حياة طهر جديدة، تفتح فيها صفحة بيضاء نقية مع مولاك، قال صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه! ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه!” 8 .

رمضان طرق باب همتك لتنفر وتفر إلى الله وتشمر، فتغير العادة طلبا للعبادة، فكما أن لجسدك عليك حق الراحة، والأكل بمقدار، فإن لروحك عليك حقا بأن تفيء إلى الله، سامعا تاليا لكتابه، ساجدا وراكعا شاكرا لنعمائه، وكن شحيحا بوقتك أن تنفقه في فراغ، فبالأحرى في باطل، وها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم، يعرض علينا رياض رمضان، فيما رواه سيدنا سلمان الفرسي رضي الله عنه : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: “أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء قالوا ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له واعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما اللتان لاغنى بكم عنها فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة” 9 .

رمضان طرق باب عمرك، ليطوي لك الزمان، ويبارك الأعمال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من بلي من قضاعة أسلما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما وأخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيدالله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد! فتعجبت لذلك! فأصبحت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أليس قد صام بعده رمضان؟! وصلى ستة آلاف ركعة؟! وكذا وكذا ركعة صلاة سنة؟!” 10 ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وفيه ليلة يضاعف فيها عمر الإنسان في أجل الأعمال، ساجدا، راكعا، ذاكرا، داعيا ، مخبتا، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر 11 .

طالع أيضا  جـاءنـا المطهر.. فحيَّـهلْ

ويكفي رمضان شرفا أن يكون زمانه مصطفى لتنزل القرآن: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن 12 ، فاستشعر بشفافية روحك الفياضة في رمضان، وكأن الوحي ينزل غضا طريا، يوقظ منا الهمم، ويجلو عنا ركام الفتن.

فهاهي أبواب الجنة قد فتحت طوال زمان رمضان لتلقي بنفحاتها، وهاهي أبواب النار قد أغلقت لنتقي لفحاتها، وهاهي الشياطين قد كبلت لتترك القلوب خالصة لبارئها، هكذا نطق الصادق المصدوق فقال: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار،ن وصفدت الشياطين” 13 ، فهنيئا لأمة الحبيب بك وبزمانك، فمحط رحمة الله مشرع، ومحط غضبه موصد، والصاد عن ذكره في أغلاله مقيد، فيا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، فضيفك كله مدد.


[1] القصص 28.\
[2] متفق عليه.\
[3] متفق عليه.\
[4] رواه البخاري ومسلم.\
[5] من (كتاب الغنية).\
[6] البقرة 183.\
[7] رواه الطبراني في الكبير.\
[8] رواه البخاري ومسلم.\
[9] رواه ابن خزيمة في صحيحه.\
[10] رواه أحمد/صحيح الترغيب: 365.\
[11] سورة القدر.\
[12] البقرة 185.\
[13] رواه مسلم.\