من رحمة الله بعباده أن فطرهم على الاعتراف بالفضل لمن أحسن إليهم وشكره ومكافأته على ذلك، هذا عند جميع الأديان، فما بالك بدين الإسلام الحنيف خير الديانات وأجلها. ولا أحد في هذا الكون أحسن إلى الناس جميعا مثلما أحسن إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي فضل أكبر من فضله صلى الله عليه وسلم، فقد جاءنا بالقرآن العظيم، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، ومن غياهب الجهل إلى أنوار العلم، ومن ضيق الدنيا وكدرها إلى سعة الآخرة وصفائها، وعرفنا على الله عز وجل، ودلنا عليه، فهو صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بالشكر والمكافأة.

ولما كان صلى الله عليه وسلم المصطفى الذي اصطفاه الله على جميع الخلق، خصه تعالى بشكر خاص وهو الصلاة والتسليم عليه. قال تعالى في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: 56]. لذا وجب علينا الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، لأنها من أعظم القربات إلى لله، ولهذا لا بد من معرفة معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حتى يدرك المسلم أسرار هذه العبادة الجليلة، وتؤتي ثمارها في طريق سلوكه إلى الله عز وجل.

– الصلاة في لسان العرب، هي الدعاء والاستغفار، وتعني حسن الثناء على الإطلاق.

-قال البخاري:قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء).

وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. هكذا علقه البخاري عنهما).

وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروي مثله عن الربيع أيضا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء، رواهما ابن أبي حاتم.

وقال أبو عيسى الترمذي: وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار).

ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال: صلاته تبارك وتعالى: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي).

والمقصود من الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر – يعني : ابن المغيرة – عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: “يا موسى، سألوك: هل يصلي ربك؟ فقل: نعم، إنما أصلي أنا وملائكتي على أنبيائي ورسلي”. فأنزل الله عز وجل، على نبيه صلى الله عليه وسلم : )إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.

ورد في التفسير الميسر:

إن الله تعالى يثني على النبي صلى الله عليه وسلم عند الملائكة المقربين، وملائكته يثنون على النبي ويدعون له، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، صلُّوا على رسول لله، وسلِّموا تسليمًا، تحية وتعظيمًا له).

يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يبركون على النبي محمد – صلى الله عليه وسلم -).

يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه يقول – تعالى ذكره -: يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد – صلى الله عليه وسلم)وسلموا تسليما يقول: وحيوه تحية الإسلام).

وحكى البخاري عن أبي العالية أن صلاة الله – سبحانه – ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء).

وروى الترمذي في سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار).

وحكى الواحدي عن مقاتل أنه قال: أما صلاة الرب فالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار).

وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – هل هي واجبة أم مستحبة؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة.

وقد حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره، فقال قوم من أهل العلم: إنها واجبة عند ذكره)، وقال قوم: تجب في كل مجلس مرة).

وقد وردت أحاديث مصرحة بذم من سمع ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يصل عليه.

قال ابن المنذر: يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جمهور أهل العلم).

قال: وشذ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة بن يحيى ولا يوجد عن الشافعي إلا من روايته.

وقد قال بقول الشافعي جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيرا، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية.

واعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقل ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا”. فناهيك عن هذه الفضيلة الجليلة والمكرمة النبيلة.

وأما صفة الصلاة عليه – صلى الله عليه وآله وسلم – فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما، منها ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها، والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل: اللهم صل وسلم على رسولك، أو على محمد أو على النبي، أو اللهم صل على محمد وسلم).

ومن أراد أن يصلي عليه ويسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها والإرشاد إليها فذلك أكمل، وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة المطهرة.

واعلم أن هذه الصلاة من الله على رسوله وإن كان معناها الرحمة فقد صارت شعارا له يختص به دون غيره، فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من أمته كما يجوز لنا أن نقول: اللهم ارحم فلانا أو رحم الله فلانا، وبهذا قال جمهور العلماء مع اختلافهم هل هو محرم، أو مكروه كراهة شديدة، أو مكروه كراهة تنزيه على ثلاثة أقوال.

وقد قال ابن عباس كما رواه عنه ابن أبي شيبة ، والبيهقي في الشعب لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار).

أخي الحبيب! هذه بعض معانى الصلاة على سيد الخلق وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تكن بخيلا، وأكثر من الصلاة عليه، في المواضيع التي وردت بها الأخبار ومنها: القعود الأخير في الصلاة، وعند ذكره، وعند الدعاء، وبعد إجابة المؤذن، وعند دخول المسجد والخروج منه، وعند رؤية المدينة، وعند افتتاح الخُطب، والمواعظ، والدروس التعليمية، بل وخصص جلسة يومية تحتفي بها احتفاء يليق بمن تجلس للصلاة عليه، صل فيها على حبيبك صلاة كثيرة، تستحضر فيها هذه المعاني كلها، حتى يتمكن حبه صلى الله عليه وسلم في قلبك وتشرق أنوارك، فهو باب الدخول على الله تعالى، والذي لا يُدخل على الله إلا منه.