في خضم البؤس الذي بلغ مداه عند المغاربة بسبب ممارسات النظام المتراكمة والتي قادت البلاد إلى الإفلاس التام على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، وفي ظل الموجة العاتية التي صفعنا بها الاستكبار العالمي والتي جرفتنا بقوتها الجبارة وأغرقتنا في مستنقعه المادي تغير وجه مجتمعنا وبدأ يتشكل على غير ما كان عليه، بعد أن امتزج القهر المخزني المسلط عليه بسيادة ثقافة اللامعنى والاستهلاك المخدر الكابح لأي فعل تحرري حقيقي في صفوفه.

 وبما أن الشباب أكثر من يكتوي بهذا الواقع المر ولعله المستهدف الرئيسي من كل المتغيرات المتسارعة التي نشهدها، فإن الحاجة ملحة لمقاومة هذا المد العدواني المركب عليه مقاومة واعية تحسن قراءة الواقع من أجل فهمه ابتداء ثم التعاطي معه تعاطيا جادا ومسؤولا، حتى لا نكون ممن يطويهم الزمن وتتجاوزهم الأحداث، وحتى نشكل صمام أمان حقيقي لفئة تضيع من بين أيدينا.

 لسنا أمام مهمة يسيرة إطلاقا، لكن لا بد لمن يحمل هما تغييريا أن يتحمل مسؤوليته في مواجهة من يريد العبث بالمجتمع وبمكوناته الشبابية تحديدا والامتحان الحقيقي لجدوى وجوده ومستقبله هو نجاحه في تحقيق ذلك، لا سيما أن معيار قوة أية فكرة وحيويتها يتمثل في مدى القدرة على تمريرها للأجيال اللاحقة.

الحقيقة أن هذا الأمر ليس غائبا عن الأذهان، والاهتمام بالشأن الشبابي يتنامى، لكن الإكراه يظل قائما حول الوصفات المطروحة التي لا تناسب احتياجاته وتخلف الميعاد دائما، وهذا ما نلحظه في المعارك التي يخوضها البعض باسمه ونيابة عنه، والتي لا تحيط بمجمل الصورة وتؤدي في النهاية إلى تعميق أزمته وتمزيق جسده أكثر فأكثر.

 ما ينبغي إدراكه أن القضية الشبابية قضية واحدة وإن تعددت أشكالها، فإما أن يتحرر الشباب تحررا كاملا أو يظل مشتتا ويزداد ضياعا، أما تجزيء الصراع والعمل على تكثيف الواجهات التي تؤدي إلى صدامات بينية داخل المجتمع، فهي تخلق إنسانا مشوها يجهل نفسه ولا يعرف ماذا يريد، حيث تصطدم قضايا الهوية بالحرية مع تلك المتعلقة بالكرامة والعيش الكريم، وهكذا يجد الشاب نفسه ضائعا، فلا الدولة وأجهزتها وأذرعها الإعلامية أنصفته ولا الفعاليات المجتمعية استطاعت استيعاب مطالبه.

طالع أيضا  نداء الأمل.. شبيبة العدل والإحسان توجه نداء للشباب المغربي

النتيجة أن الشباب عزف عن الحياة العامة، وأن الغالبية منه باتت مستعصية على التأطير واختارت أشكالا خاصة بها للتعبير عن ذاتها والتي لا تخلو من فوضوية وارتباك، كما في ظاهرة الألتراس التي يمكن اعتبارها أكبر تكتل شبابي في البلاد، والتي تقدم صورة مقربة عن مزاج الشباب المغربي في غياب أرقام ودراسات تشرح واقعه، حيث نزعة التمرد الناقمة على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بادية في هذه الفئة مع شوفينية مناطقية لا تخفي وجهها. ورغم أنها تنتمي إلى وسط يعج بالانحراف والإدمان فإنها تصر على استحضار هويتها الإسلامية، كما أنها وفوق كل هذا تحرص على التفاعل مع هموم الأمة لا سيما القضية المركزية للأمة لدرجة أن الأعلام الفلسطينية لا تغادر مدرجات الملاعب تقريبا.

 هذا الكوكتيل الذي يبدو عجيبا لا ينبغي أن نتعامل معه بسخرية أو بامتعاض، فتفكيكه قد يكون مدخلا مهما للتواصل مع شباب اليوم، حيث إن أول خطوة ينبغي خطوها هي التخلص من نظرة الفوقية والاستعلاء عليهم وعلى خياراتهم حتى يتسنى جبر القطيعة معهم وانتشالهم مما هم فيه من أجل الدفع بهم للعب الأدوار الطليعية اللائقة بهم.

الواجب التقاط الإشارات التي يبعثها لنا شباب اليوم، فالشباب يبحث عن هوية تحضنه وتعطي معنى لحياته، ولا يمكن أن تكون تلك الهوية إلا متصالحة مع ذاته تنهل من مرجعيته الإسلامية الموحدة لعموم المغاربة الحامية لهم من الارتكاس في مستنقع اللذة الآثم المحبط للهمم العلية وكذلك القادرة على احتواء العصبيات الفرعية المشتتة لشملهم.

 إن لم نفعل هذا فسيأتي من يستثمر هذا التعطش الشبيبي لهويته ويحرفه عن جادة الطريق، وهو ما يحدث حاليا، فسرعة تحول قطاعات من هذا الجيل من النقيض إلى النقيض، من قمة الانحراف إلى التطرف المجنون، ملفتة للانتباه، حيث إن المتطرفين الجدد في أغلبهم حديثو عهد بالتدين، مما يدل على أن الانتماء الإسلامي أعمق من الظواهر السطحية لكن مشكلته أنه يضل الطريق حين لا يجد من يرشده.

طالع أيضا  رغم الواقع الصعب.. عقول مغربية تسطع في سماء العالم

غير أن التصدي لهذا المد لا يمكن أن يتم إن نحت مرجعيتنا الإسلامية نحو الجمود أو التوظيف السلطوي أو حتى التحفظ المبالغ فيه، فلا يجد الشاب في النهاية من يطفئ احتقانه ويروي ظمأه للحرية والكرامة مما يفقده الثقة في نهاية المطاف في هذا المسار ويذهب به إلى أقسى الخيارات عنفا ودموية أو يزيد في تخديره وتغييبه عن الوعي.

وهكذا فإن الذي لا يركز إلا على موضوع الهوية غاضا الطرف عما يقاسيه الشباب من ظلم ومن حرمان لا يقدم في الحقيقة إلا مسكنا يسهم في إطالة عمر مأساتهم، والذي يقتصر نضاله على الاحتجاج عن أوضاعهم بخلفية غريبة عليهم وبلغة لا يفهمونها فاصلا إياهم عن عمقهم الإسلامي فعليه أن يتوقع أنهم لن يتعاطوا مع طروحاته وسيحشرونه في الزاوية، أما دعاة الحرية الفردية والتي يعتبرونها أم القضايا فهم في حالة شرود عن المزاج الشبابي، وحدها الفئات المترفة وملحقاتها من تستهويها معاركهم.

الوعي بصهر ما يبدو متفرقا من هموم الشباب في بوتقة جامعة ينبغي أن يكون أولى أولويات كل من ينشد مقاومة هذا العدوان المركب على هذا الجيل، فكما أن المخزن يستغل كل الوسائل والمؤثرات لتحطيمه، فإن الواجب أن تسعى ممانعتنا لخلق نموذج متماسك يتصالح مع الشباب ويحسن توجيههم.