هو يوم من أيام الرجولة والجهاد في مسيرة العدل والإحسان ومسار دعوتها ومشروعها التغييري التجديدي، تألق فيه عنوان الثبات والاقتحام، وقدّم فيه القادة والأعضاء برهان الصدق والولاء، وأكدّت فيه الجماعة أنها كيان منظم متماسك لا ترهبه المحاكمات والسجون ولا تُخوّفه جحافل “رجال الأمن” وفيالق التدخل السريع.

كانت ردهات محكمة الاستئناف بمدينة الرباط تستعد لاستقبال أعضاء مجلس الإرشاد في أول جلسة من جلسات الاستئناف، وذلك بعد أن صدر الحكم الابتدائي يوم 16 مارس 1990، والقاضي بسجن كل من الأساتذة: محمد العلوي ومحمد البشيري رحمهما الله تعالى، وفتح الله أرسلان، وعبد الواحد متوكل، ومحمد عبادي، أعضاء مجلس الإرشاد، وعبد الله الشيباني صهر المرشد العام الأستاذ عبد السلام ياسين، بسنتين سجنا ظلما.

فجاء يوم 8 ماي لتؤكد جماعة العدل والإحسان أنها ماضية في الطريق، مصرة على نهجها، ثابتة على منهاجها. إذ حصار المرشد العام الأستاذ عبد السلام ياسين واعتقال مجلس الإرشاد، لن يمنعها من التنظيم والحركة والفعل. حيث حضر أعضاء الجماعة بكثافة، في ذلك اليوم المشهود، ونظموا اعتصاما كبيرا أمام مبنى محكمة الاستئناف في قلب العاصمة وقريبا من مجلس النواب. ضاقت بهم مخافر الشرطة وملحقاتها بمدينة الرباط، لكنهم سجلوا الموقف وأكدوا الثبات وصفعوا المكر. وردوا على تحية القيادة بمثلها، “بنيان مرصوص” و”جسد واحد”.

بعثت العدل والإحسان بأكثر من رسالة في هذا الحدث التاريخي:

* أكدت قيادة الجماعة أنها في المقدمة، وأن المركز ليس مغنما بل مغرما ومدافعة وابتلاء.

* أثبتت العدل والإحسان مجددا أنها جماعة مؤسسات ولبنات، فمرشدها محاصر ومجلس إرشادها في السجن، لها مؤسسات تقود العمل في مستوياته المتنوعة، ورغم ما يتركه تغييب القادة من فراغ مهم لما لهم من مكانة في قلوب الأعضاء وفي بنيان الجماعة، إلا أنها قادرة، ليس فقط على المحافظة على الوجود، إنما أيضا على التقدم والتوسع عددا ونوعية.

* أبانت عن قدرات تنظيمية وحركية تخطت الحواجز والعقبات في الميدان، وسجلت الموقف السياسي القوي والمناسب.

* سجلت موقفها السياسي الواضح من الاستبداد ورأس البلاء “الحكم”، ولم تتنازل أو تساوم رغم التهديد والوعيد بالسجن، والوعد والإغراء داخل السجن.

* أوضحت أنها ليست صاحبة مشروع متعجل أو طارئ سرعان ما تذهب به رياح الغدر والظلم، بل أسست قواعدها على منهاج قرآني نبوي أصيل، موقنة به وبمآله يقين الجزم والقطع. فقد قال مجلس الإرشاد، في بيان مطول أصدره في فبراير 1990 من سجن سلا، (نوقن جازمين بأن الله متم نوره ولو كره الكافرون والمشركون، ونوقن أن دعوتنا انطلقت على هدى من الله، ولا بد أن تصل حيث يشاء الله لها أن تصل، فهي دعوته بداية ونهاية).

* سطرت صفحة أخرى مشرقة في كتاب دعوتها، ولبنة أخرى قوية في بنائها المتماسك، ونقطة أخرى وضاءة في رصيدها الجهادي. رَاكمت وتُراكم عملها نحو المستقبل الموعود، تصنع -بإذن الله- من المحن مِنحا، ومن الضيق وُسعا. لا تضعفها الضربات، رغم قساوتها، بل تقويها لمواصلة السير (فمن عرف ما طلب هان عليه ما وجد).

لاحقا ستكبر العدل والإحسان وتتوسع، ويزداد أعضاؤها والمتعاطفون معها، وبقدر ما سيدرك من شارك في حدث 8 ماي أنه أسهم في كتابة تاريخ الجماعة، ووضع لبنة في بناء مستقبل نصرها والتمكين لأمتها، سيدرك النظام المخزني أنه لم يفعل شيئا، سوى أن سوّد سجله الحقوقي وأكد سلوكه القمعي التسلطي، أما العدل والإحسان فماضية إلى وجهتها بإذن ربها.