الشباب:

الشباب أهم مرحلة في حياة الإنسان، هي مرحلة القوة بين ضعفي: الطفولة والشيخوخة، هي مرحلة الأوج في العطاء فإن لم تشتغل بالطاعة وفعل الخير انشغلت بالباطل، فتضيع فرصة العمر التي لا تستسدرك أبدا، لذا أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم باغتنامها إذ قال: “اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” 1.

وقد أدرك الأعداء اليوم أكثر من أي وقت مضى أهمية الشباب المسلم فصبوا عليه وبال الغواية وصدوا أكثره عن سبيل الله، فعلى الدعاة والمصلحين أن يقفوا صامدين ليستنهضوا هذه الفئة ويحنّوا عليها دعوة ورعاية واحتضانا، ليجندوها في مواجهة أمواج الفساد العاتي. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: “الشباب مرن مطواع للحق، والأمانة في عنق كل رباني من الدعاة أن يسعى جهده لتستعيد التربية الإيمانية الإحسانية العلمية الجهادية شتاتها على امتداد القرون الفتنوية الطويلة” 2، ولله الحمد والمنة أن أفواجا من الشباب تنقاد للحق تزداد عددا ومددا يوما عن يوم، بفضل الدعاة الربانيين العاملين.

رمضان:

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 3، شهر خصه الله بحدث غيّر مجرى التاريخ، وأنزل فيه معجزته الخالدة إلى يوم الدين، معجزة القرآن الكريم الذي هدى الله به قلوبا، وشرح به صدورا، وبين به سبيلا واضحا، وفرَق به بين الحق والباطل، كيف لا يكون هذا الشهر محل تعظيم وإجلال عند المسلم، وموعدا لتجديد العهد مع حبل الله المتين وكتابه المبين قراءة وحفظا وتدبرا وعلما وعملا؟ الله عز وجل كرّم هذا الشهر وجعله من أفضل الشهور والأيام والساعات على الإطلاق، وفتح فيه لعباده من نفحات الإيمان ومعارج الإحسان ما شاء أن يفتح، وندبهم إلى النهل من معينه، وسهل السبل إلى ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قد جاءكم رمضان، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم” 4. وسيرا على هذا المنهاج النبوي في الاحتفال بأيام الله المسلم يستعد لرمضان قلبا وقالبا لينهل من فيضه.

الشباب ورمضان:

إذا جمعنا بين الاثنين: وجدنا أنفسنا بين زمنين من أعظم ما أعطى الله الإنسان على الإطلاق، أيام الشباب، وأيام رمضان، أيام معدودات، لكنها لب الإنسان وجوهره، إذا تزود منها أخذ بحظ وافر فكان من “سبعة يظلهم الله يوم لا ظل له” ونال جائزة “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له من تقدم من ذنبه”، وإذا تساهل فيها، ضيع ما يندم عيه حسرة لا نهاية لها يوم يسأل عمره فيما أفناه، وعن رمضان ماذا عمل فيه…

موقف شبابي محزن!

محزن أن ترى الجمع الغفير من الشباب يتخذ رمضان زمنا للهو واللعب مسرفا في ما يغضب الرحمان، فمنهم من يقضي الليالي متتبعا الملاهي في الشوارع والساحات منهمكا في التنقل بين الشاشات، فإذا نادى منادي الثلث الأخير من الليل خلد إلى النوم ولم يستفق إلا على منبه الثلث الأخير من النهار! ومنهم يسرح نهاره في التفاهات، منتظرا ساعة الإفطار مسرفا في المعاصي معللا النفس بتضييع الأوقات! أي صيام لهؤلاء؟! وأي رمضان حل بهم؟! ماذا جنوا من شبابهم؟! وكيف استقام لهم أن يواجهوا الهداية بالمعصية؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: “رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش” 5، إنهم لم يدركوا حقيقة رمضان، فهم يحرمون أنفسهم من فضائله ونفائسه.

موقف شبابي مفرح!

ما إن يحل شهر رمضان حتى ترى المساجد قد امتلأت بالشباب مقبلا على ربه متبتلا راكعا ساجدا، شباب تنسم من روح الهداية وريحانها بعد ما غشيته نفحات رمضان شهر القرآن، وخففت من وطأة ثقل النفس أسرار الصيام، شباب عقد العزم على ختم القرآن، والحفاظ على الصلوات الخمس في المساجد، وحضور صلاة التراويح، والقيام في الثلث الأخير، والاجتهاد في الطاعات والقربات، والإحسان للفقراء والمحتاجين، والإفطار مع جموع الأخيار… شباب صحا في رمضان، وتطلع للاستقامة بعد رمضان، فرمضان لما بعده.

الاستعداد لرمضان:

يتحقق التحول في الشخصية نحو الصلاح في رمضان وبعده لما تتكامل ثلاثة أسباب: الرغبة والعلم والعمل، فحينما ييسر الله تعالى للإنسان أسباب الهداية ويشرح صدره ويجعله راغبا في طلب الصلاح، له أن يستنير بالعلم النافع، وينخرط في العمل الصالح بهمة وعزم وإرادة، فلا تفوته مواسم الخيرات وينهل منها كأنما وجد جوهرته المفقودة، ونال بغيته البعيدة. إنه رمضان فرصة العمر، كيف نستقبله؟ كيف نستعد له؟ كيف نخطط لأيامه وليليه؟ وساعاته وثوانيه؟ يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كم كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات 6.

* الرغبة: لابد لك أيها الشاب المسلم أن تجس نبض إيمانك مع اقتراب رمضان فإذا وجدت بقلبك شوقا متقدا للقائه فاحمد الله، واستزد من فضل الله، فالقناعة من الله حرمان، وإن وجدت غير ذلك فاتهم نفسك، واحملها على الإقرار بفضائل هذا الشهر الكريم، وخط لها خطة توبة نصوح تجبُّ ما قبلها، وجدد النية بأن تكون خالصة لوجه الله الكريم، فإنما الأعمال بالنيات.

* العلم: أيها الشاب المسلم! العلم مفتاح العمل، وقد يسر الله تعالى سبل العلم في هذا الزمان، تزود من العلم النافع، وهل أنفع من علم يقربك من ربك، علم بما افترضه الله عليك؟ وهل شيء أحب إلى الله مما افترضه عليك: الصلاة والصيام؟ ارجع إلى أحكام الصلاة والصيام والقيام، واقرأ شيئا حول فضائل رمضان، وعمل اليوم والليلة من رمضان. ارجع إلى كلام الله وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في رمضان، وراجع كلام العلماء العاملين الربانيين. ليستنير عقلك ويشرق قلبك استعدادا لرمضان، ثم خط لنفسك برنامجا لعمل اليوم والليلة مع ترتيب الأولويات…

* العمل: ها قد تاق قلبك لرمضان واستنار سبيلك بالعلم، ورمضان من غد يحل، فهيا إلى تصديق رغبتك وعلمك بالعمل! ابدأ من أول ليل، ولا تحدث نفسك بالتسويف فإن الوقت الذي مضى لن يعود، وإن من طبائع النفس الفتور، وليكن قدوتك في ذلك نبيك صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل شهر رمضان شد مئزره وأيقظ أهله. وعلى سنته سار السلف الصالح يجتهدون في الطاعات والقربات، وينقطعون لتلاوة القرآن والصلاة آناء الليل وأطراف النهار. خط برنامجك لرمضان من أذان المغرب إلى أذان المغرب من أول ليلة إلى آخر نهار من أيام رمضان: ما هي العزائم التي ستستقبل بها رمضان؟ ما الأعمال التي ستكون محور برنامجك لرمضان؟ ما هي الأولويات؟ كيف ستستثمر وقتك؟ كيف توازن بين الطاعات والدراسة؟ هل لك أعمال أو عادات ستتخلى عنها بقدوم رمضان؟

نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان وأن يوفقنا فيه لما يحبه ويرضاه.


[1] رواه الحاكم
[2] سنة الله، ص260
[3] البقرة الآية 185
[4] أخرجه النسائي وأحمد
[5] رواه أحمد والحاكم
[6] البقرة 184