يستأنف فضيلة الأستاذ محمد عبادي جولته في “رحاب شعب الإيمان”، الذي تبثه قناة بصائر، فيتأمل، في الحلقة الثالثة، أحاديثه النبوية الشريفة التي صنفها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله بحسب الخصال العشر التي تنتسب إليها. فيورد الحديث الشريف عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ”.

فيستفتح الأستاذ عبادي كلامه سائلا الله تعالى أن “يجعلنا من يعظمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرؤونها للعمل بها ويتخلقون بمضامينها”.

لينطلق قائلا:

ما زلنا في الخصلة الأول بالصحبة والجماعة وأنتم تلاحظون أن سيدي عبد السلام رحمه الله ساق أحاديث كثيرة ليستقر معناها في قلوبنا ونعمل بمقتضاها.

هذه الأمور الأربعة فيها حظوظ للنفس ويصعب تمحيضها وإخلاصها لله لأن النفس البشرية جبلت على حب كثير من الأمور، فكيف تصبح خالصة لله وليس عاطفة فحسب.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره”.

كيف يكون الإنسان خيرا لصاحبه لا ينبغي أن يصاحب الإنسان أحدا لأنه يعطيه أو يواسيه وإنما أن تكون محبة لله تعالى… بعض الصالحين أراد أن يخرج للسفر فأراد أحدهم أن يصاحبه في السفر فاشترط عليه أن تكون الإمرة عنده، فكان الأمير يقوم بكل الخدمات التي يقتضيها السفر، فكان صاحبه عندما يريد أن يشارك في الخدمة يمنعه من ذلك قائلا: أعطيتني الإمارة فلا حق لك في الخدمة. أولياء الله كانوا يطلبون الإمارة للخدمة لا للتحكم في رقاب الناس. ورحم الله سيدي عبد السلام لهذا المصطلح المعبر: خادم؛ خادم الأسرة وخادم الشعبة… فينبغي لمن يختاره المؤمنون للمسؤولية أن يراعي مضمون هذا المصطلح، أن وظيفته هي خدمة ‘خوانه وخدمة أمته والبشرية جمعاء.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس ليسوا بأنبياء، ولا شهداء” قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله، حلّهم لنا نعرفهم، قال: “هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه”

الجثو عل الركب مظهر من مظاهر العبادة لله عز وجل، وتعظيما للحديث جثا الأعرابي على ركبتيه. و”حلهم لنا” بمعنى ما هي الأعمال التي كانوا يقومون بها فنالوا هذه المرتبة. كانوا يسألون عن الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى. “من قبائل شتى” يجمعهم الحب في الله وعلى ذكر الله.

وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث هن حق؛ لا يجعل الله تعالى من له سهم في الإِسلام كمن لا سهم له، ولا يتولى الله عبدا فيوليه غيره، ولا يحب رجل قوما إلا حشر معهم”.

السهم هو الحظ والنصيب. متى يتولى الله عبده؟ حين يتولى العبد اللهَ، فالله يتولى من تولاه تعاملا بالمثل. والولاية تجل على القرب والمحبة والنصرة. فإذا كان العبد يتقرب إلى الله ويحبه وينصره فالله تعالى يتولاه في الدنيا والآخرة.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ؟ “أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟” فَقَالُوا: الصَّلاةُ، فَقَالَ: “حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهَا”، قالوا الزكاة، قال: “حسنة وما هي بها”، قالوا صيام رمضان، قال، “حسن وما هو به”، قالوا: الحج، قال: “حسنة وما هو به”. قَالُوا: الْجِهَادُ، فقَالَ: “حَسَنٌ، وَمَا هُوَ بِهِ”، قَالَ: “أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ في اللَّهِ ، وَتُبْغِضَ في الله”.

الإمام أحمد كالنار على علم، وهو رضي الله عنه من الأئمة الأربعة ومشهود له بالعلم والصلاح والجهاد والتقوى والزهد والإعراض عن الدنيا وتحمل الأذى… كان آية من آيات الله في طلب الحديث وفي الورع…
كان رحمه الله جبلَ السنة في استيعاب نصوص السنة وجبلَ السنة في التطبيق.