يتناول الأستاذ محمد العربي أبو حزم في الحلقة الخامسة من سيرة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تحصيله الدراسي في مدرسة المعلمين بالرباط أواخر الأربعينات. يقول:

كانت المؤسسات التعليمية الكبرى في عهد الاحتلال الفرنسي، هي المشاتل الأساسية التـي كانت تُعَدُّ فيها نُخب المستقبل. ومن ضمن هذه المؤسسات مدرسة المعلمين بالعاصمة الرباط، التي كان يشرف عليها أحد كبار المستشرقين الفرنسيين يسمى ”روكس”.

خاض  الشاب عبد السلام مباراة الولوج إلى هذه المدرسة عام 1947، فنجح وانتقل من مراكش المدينةِ المهمشة، ومن حصير ابن يوسف وحلقاته ومتونه وفقهائه وجموده، إلى العاصمة الرباط وحركيتهاـ وطاولات مدرسة المعلمين بـ”ثانوية مولاي يوسف” وفصولها، وكتبها وأساتذتها وآفاقها وجدية نظامها وصرامة إدارتها ودقة مواعيدها.

اندمج الشاب المراكشي في الأجواء الجديدة بسرعةٍ، ساعده في ذلك ما تعلمه من اللغة الفرنسية كما رأينا في حلْقة سابقة.

وبما أن الطلبة المعلمين كان فيهم الملمُّ بالفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو الألمانية، فقد سعى الشاب المراكشي إلى الأخذ عن كل متقنٍ لِلُغةٍ من هذه اللغات. ولعل هذا ما جعل ترتيبه في امتحان نهاية السنة الثالث بدل الأول كما كان متوقعا. وقد أقر، في شهادته على قناة الحوار الفضائية بخطئه في بذله الجهدَ لتعلم أكثـر من لغة في آن واحد، مبررا ذلك بغياب التوجيه.

في ذلك الموسم الدراسي، 1947-1948، انقطع الطالب المعلم حتى عن الأحداث الجسام التـي كان ينوء بها المغرب والمشرق على حد سواء، وعكف على التحصيل في مدرسة المعلمين،

وبالموازاة معها حاز شهادة العربية الفصحى. ولكنه قبل حفل التخرج من مدرسة المعلمين وتعيينِه معلما بمدينة الجديدة، بلغه الخبر المفجع. مات الوالد.

 فكأنها كانت إشارة من إشارات القدر، أن الوالد أتم مهمته بنجاح ثم أفضى إلى ربه، ليتسلَّم الولدُ مسؤولية أمٍّ كانت هي كل عائلته. وكان هو كُلَّ حياتها.

يتبع..