من كان يوصي بمزيد من “الثقافة الإسلامية” ومزيد من المعاهد والكتب والعلم فنحن معه لا نعارض بل نحبذ ونشعر بالحاجة الملحة إلى تنوير العقل بالعلم. لكن الجهاز العلمي يتحول ركاما إن ابتعد في مفاهيمه ومقاصده، ويصُبّ في نهر داء الأمم تراكمه، إن حاد عن القرآن ومقعد القرآن وهدف القرآن، ألا وهو الإيمان والإحسان. في الفقه القرآني يستوطن الإيمان في القلوب فتَتَنَوَّرُ أو يدخلها ظلام الكفر والنفاق فتسود. والعقل بعد ذلك والعمل الفردي والاضطراب الجماعي في الأرض والتاريخ تَبَعٌ ونتيجة وجزاء. وعلى انشراح القلب أو انغلاقه، وكفره أو نفاقه، وإدراك العقل أو بلادته، وصواب العمل أو خطإه، ونية الجهاد أو غيابها يترتب الجزاء الأخروي. والآخرة للإخبار بها وبالخالق جاءت الرسل ونزلت الكتب. عن السعادة الأبدية أو الشقاوة والعياذ بالله تحدث القرآن أبلغ ما تحدث. ومَرَدّ السعادة والشقاء لفساد المعاني القلبية أو صلاحها كما يفسد الجسد أو يصلح تبعا لحالة المضغة القلبية التي تحرك الحياة.

والمزيد من العلم و”الثقافة الإسلامية” دون تربية الإيمان المبنية على فقه القلوب قد يساعد على نوع من يقظة العقل ووعي العقل ونشاط العقل، ومتى لم يدخل الإيمان في القلوب فالأعرابية الفكرية لن تخدع الله سبحانه المطلع على القلوب المحاسب على نياتها السائق بسنته في التاريخ الناس جميعا إلى مصائرها.

عن فقه القلوب كان يبحث الصحابة رضي الله عنهم في مجالسهم، كانوا يعرفون أن بفسادها أو صلاحها تتم عليهم نعمة الاستقامة أو تحل بساحتهم الفتنة. كانوا يترقبون الأحداث على خشية من ظهور علامات الفساد في البر والبحر في الوقت نفسه الذي كانوا يتحسسون قلوبهم ويتعاهدون لعل حصل فيها من أعراض الداء ما به وعليه تنـزل العقوبة.

سمعـوا قول الله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾1، فكـانت مجالسهم مجالس ذكر وتذكير، لا يخلو مجلسهم عن ذلك، أجل موضوع للحديث هذا الموضوع، وأهم موضوع، وأنسب موضوع.

طالع أيضا  إنه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله

تابع تتمة كلام الإمام عبد السلام ياسين على موقع سراج.