رأينا في الحلقة السابقة كيف أن ذلك الفتى الأمازيغي، كان له استعداد فطري للنبوغ، وأهلته مدرسة المختار السوسي بمستوى من التعليم، لم يحظ بمثله طلبة معهد بن يوسف العتيق، فكان يحس أنه كان يضيع وقته فيه، مما جعله يحدث نفسه بالبحث عن حل، ليتعلم بالأسلوب الذي يروي ظمأه إلى المعرفة التي يبحث عنها.

لم يجد الفتى الطموح بابا يدخله أفضل من العصامية. كان أوَّل ما ألح عليه، أن يتعلم لغة هذا الغازي الفرنسي، الذي كان يرزح تحت وطأته البلد وجزء كبير من بلاد الإسلام، لم يكن ليحلم بولوج المدرسة العصرية الوحيدة في مراكش آنذاك، فمدرسة “الباشا الكلاوي”، لم يكن يدرس فيها غيـر أبناء الأعيان، الذين كان الاحتلال الفرنسي يهيئهم ليكونوا موظفين وأعوانا إداريين، وصلة وصل بين الشعب وسلطات الحماية.

كان للفتى عبد السلام صديق يدرس في هذه المدرسة، فطلب إليه أن يعلمه اللغة الفرنسية، فلقنه حروفها الهجائية: a b c d… لينطلق وحده يقرأ ويراجع ما كان صديقه يناوله إياه، مما كانوا يدرسونه هم في المدرسة الفرنسية من نصوص وأشعار، وينجز هو بجد ما كان يُطلب إليهم هم أن ينجزوه من تمارين، كأنه كان واحدا منهم.

وتستوقفنا هنا ظاهرة هذا العصامي الفريد في نوعه!

فهاهو في الوقت الذي بدأ يتعلم فيه اللغة الفرنسية، بدءا بحروفها الأبجدية، بدأ بالموازاة معها مشروع “تأليف” كتيّب في “تعلم الفرنسية”!

بين أيدينا دفتر من عشرين صفحة، كتب على الصفحة الداخلية لغلافه بخط اليد:

أول مؤلف ألفته، تعليم اللغة الفرنسية حوالي سنة 1947، عندما بدأت أتعلم الفرنسية.

مؤلف تناول فيه الحروف الهجائية اللاتينية، وكيفية نطقها ومقابلها في اللغة العربية، والحركات المركبة وخصائص الحروف، وتتخلل هذه الدروسَ تمرينات وتوجيهات وملاحظات، لا تنم عن مشروع المعلم المربي المؤلف الذي كانه منذ ذلك الوقت فحسب، بل عن هذه الروح التـي صحبته على مدى عمره، ومن خصائصها أنه لا يُحَصِّل معرفة أو فضلا، إلا سعى إلى أن يشترك معه غيـره في تحصيلها.

وفي توجيهات مشروع المؤلِّف هذا، ما يظهر موهبته البيداغوجية الوليدة، وحجم المعارف الخاصة باللغة الفرنسية التـي حصّلها بعصاميته الفريدة، وسرعة استيعابه لما يخوض بحره من معارف.

(يتبع)