يحل علينا العيد العالمي للعمال، بما هو مناسبة لإحياء قيم العمل وشرف الإنتاج وإكبار جهود الفئات المنتجة والتذكير بمحطات ومواقف  نضال الأجيال المتلاحقة  من أجل تحقيق العدل الاجتماعي  والعيش الكريم، بيد أن المشهد النضالي في بلدنا يعكس وضعا مؤلما وصورة مفزعة عن أوضاع  الانتهاك المستمر لحقوق الشغيلة وضرب مكتسباتها التاريخية، والإمعان في تنغيص العيش اليومي للمواطن من استهداف للأرزاق وتضييق في الحقوق وقمع للحريات  واستهداف مباشر  للمواطن في عيشه اليومي واستقراره الاجتماعي، مما يزيد من معاناة الفئات المنتجة ويفتح الأبواب مترعة أمام منطق الاستعباد ونظام السخرة وعقود الإذعان.

وعكست صورة العمل النقابي والنضال المطلبي، في المقابل، مشهدا مؤسفا وتشتتا مستفحلا يزيد من تأزيم الوضع الاجتماعي للبلاد، ويمكّن السياسات الحكومية من التغول في استنزاف الحقوق والإمعان في ضرب المكتسبات، لتظهر على السطح أشكال بديلة ومظاهر متجددة من الفعل النضالي والأداء الاحتجاجي (تنسيقيات – حراكات المدن – مسيرات العطش والحكرة – جبهات شعبية ضد السياسات الحكومية – إضرابات فئوية ومجالية – مقاطعة منتوجات استهلاكية…)، هذه الأشكال المتجددة والعفوية والجماهيرية أضحت ظاهرة متجذرة وذات تأثير متسع تحتاج مزيدا من الدراسة والفهم في التحليل والتعاطي، كما أضحت تحرج في كثير من المواقف العمل النقابي التنظيمي، بل وتطرح عليه أسئلة الوجود والمشروعية والاستمرارية. 

من مظاهر ترهل العمل النقابي وانكفائه عن أداء أدواره ووظائفه الحيوية:

– غياب إعمال آليات الديمقراطية الداخلية وإشراك القواعد في بناء القرارات والمواقف النضالية.

– ضعف التشبيب واستثمار الطاقات والانفتاح على المبادرات. 

– ضعف روح التجديد في الأشكال والمقاربات.

– هيمنة النزعات الحزبية والحسابات الضيقة.

– خفوت الوهج النضالي وانحدار السقف المطلبي بعد الركون إلى منزلق “السلم الاجتماعي” و”تحقيق الممكن”.

– النكوص عن  الالتحام بالفئات الشعبية والانكفاء عن تأطير الجماهير وضعف العمق  التكويني والتوعوي في عمل النقابة.

طالع أيضا  النقابة والنقابيون من المفاوض إلى المحاور - فشل نضال أم فشل خيار؟

– تغول عقلية الاستفراد المخزني وتعاظم آليات الاحتواء وتدجين النخب النقابية.

– نجاح مخططات النظام في القضاء على الحركات النضالية باعتماد آليتي البلقنة والتفريخ.

– تشرذم الجسم النقابي وارتماؤه في أحضان المخزن، مما أفرز عزوفا ملحوظا عن العمل النقابي وانخراطا وحركية بل وحتى حضورا في المحطات النضالية التي أضحت في عمومها محتشمة. 

من مداخل وآفاق العمل:

هذا الواقع المؤلم يدعونا أكثر من أي وقت مضى أن نتحرق على واقع الفعل النضالي من داخل التنظيمات النقابية والهيئات العمالية، وأن نتخوف على ضياع الرصيد النضالي الذي راكمته أجيال المناضلين ومسيرات المكافحين.  

واقع  يجب، في نظرنا، أن تتكاثف فيه الأيدي وتتآلف القلوب والإرادات من أجل أفق نضالي مشترك، يعيد فيه الفاعل النقابي والفعل النضالي ريادته وفاعليته، باعتباره الجدار المتبقي أمام تيارات الاستحواذ والاستفراد ومخططات الإجهاز على الحقوق. وهذا يتطلب من جميع  الغيورين والفضلاء، على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم، تقدير اللحظة التاريخية الحاسمة التي تعيشها بلادنا، والاقتناع الراسخ بضرورة التخندق في جبهة واحدة إلى جانب المقهورين وضحايا الاستبداد والفساد، مع ما يتطلب ذلك من ضرورة تقديم المصلحة الفضلى للوطن وإعلاء صوت الحوار البناء و بناء الوطن المشترك.