تناول الأستاذ محمد العربي أبو حزم في الحلقة الثانية من سيرة الإمام المجدد المحطة الأولى في مساره الدراسي الأول، ويتناول في الحلقة الثالثة lمساره الدراسي في معهد ابن يوسف، فيقول:

تناولنا في الحلقة السابقة نشأة الطفل عبد السلام، وولوجَه مدرسة العلامة محمد المختار السوسي، حيث حفظ القرآن الكريم، وحصَّل حصيلة جيدة من المعارف في اللغة والأدب والتاريخ والحساب.

كانت المحطة الدراسية التالية هي معهد بن يوسف، الذي ولدجه عام ثلاثة وأربعين وتسعمائة وألف.

كان معهد بن يوسف إحدى أهم قلاع العلم في المغرب الأقصى على مدى أربعة قرون، حيث نافس بإشعاعه العلمي “جامع القرويين” بفاس، بمن كان فيها من علماء جهابذة، وبما تخرّج منها من علماءَ وفقهاءَ وزعماءَ سياسيين.

كان للفتى عبد السلام عمٌّ اقترح عليه استكمال دراسته بكلية بن يوسف، وكان الشرطَ الأساسيَّ هو حفظُ القرآن الكريم. كان تسجيل الطالب يتم في القسم المناسب حسب ما تراه لجنة مؤلفة من كبار العلماء، لجنة تنظر في أحقيته في الالتحاق بالمعهد وبالمستوى الدراسي المناسب.

اجتاز الطالب الامتحان بنجاح، بل أهله نبوغه المبكر ومعارفه التي حصّلها في مدرسة محمد المختار السوسي،

لكي تنقله لجنة الامتحان مباشرة إلى السنة الدراسية الثالثة.

كانت الدروس في معهد بن يوسف تُلقى بالطريقة التقليدية، يجلس الطلبة متربعين متحلقين على شكل أنصاف دوائر، تحضن الواحدة منها الأخرى حول الشيخ الجالس على كرسي أو المسند ظهره إلى سارية، ويجلس “السارد”، وهو أنجب الطلبة وأنداهم صوتا، يجلس وهو يحمل بين يديه الكتاب المقرر، يقرأ منه ما يطلبه إليه الشيخ الذي يستفيض في شرح مَتْنِه.

نبوغ الفتى عبد السلام وقوة استعداده وعلو هِمَّته، وسابق ما حصله في مدرسة السوسي، كل هذا جعله يَسْتَقِلُّ ما كان يُحَصِّلُه من معارف في هذا المعهد، ولا يقنع بما كان يَقْنَعُ به أقرانه، كأنه كان يتطلع إلى ما خلف جدرانِ معهد عتيق العقلية، وأسوارِ مدينةٍ وئيدةِ الحركة، وحدودِ بَلَدٍ متخلف فاتر الطموح عاش قرونا منكمشا على ذاته.

كانت دروس المعهد تخلو من الاجتهاد في تفهيم الطلبة، كانت ترديدا على النمط القديم لما في بطون الكتب،

وكان ذلك الفتى الأمازيغيُّ في تلك المرحلة يطل على العالم الخارجي، من خلال ما يقع بين يديه من كتب ومجلات، فكان من الطبيعي أن يُلِحَّ عليه شعور قوي، بأنه كان يضيع عمره “فوق حصر كلية ابن يوسف” على حد تعبيره. وهذا ما نفَّره من المواظبة على حضور دروس المعهد التـي كان، على الرغم من ذلك،

يحوز المرتبة الأولى في امتحاناتها.

هل يظل الفتى الأمازيغي حبيس سقف كلية بن يوسف؟ أم يحاول التخلص من قوقعته التي تكاد تخنق طموحه الكبير؟

الجواب في الحلقة القابلة إن شاء الله