أنْهَارُ تأسيهم واقتدائهم بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام جارية لا تتوقف أبدا، وإشفاقهم من اليوم الآخر وخشيتهم على أنفسهم النفاق كلما خرجوا عن مألوفهم الجهادي، وهم أنقى وأتقى القوم، لم يرح لهم جفنا ولا قلبا أمدا، حتى فزعوا إلى الحبيب فبشرهم صلى الله عليه بفضل الكينونة معه والصحبة على القلب، ثم “ساعةً وساعةً!” 1 فانتشوا فرحا، فكان لأمراض قلوبهم طبيبا ومؤلفا.

هذا بعض من هدي ممن اصطفاهم رب العالمين بصحبة خير الورى وشرفا، يتعرف من اقتفى آثارهم هديهم في الإكثار من الذكر والمداومة عليه، رجاء التشبه بحالهم إرضاء لربنا وذكرا له بما يليق به على مراده ومراد طب قلوبنا وجلاء همومنا.

أيها الأحباب إخوان رسول الله، من هناك إلى هنا، نصل الرحم بمن علم وعمل، لنرى كيف أزهر الذكر أفعالا لا أقوالا، لنرى كيف تزهر لا إله إلا الله، وهي الكلمة الطيبة، فعلا وعملا طيبا، ولنرى كيف لم يفرقوا بين ذكر القلب والجوارح، بين القول والعمل، لنرى كيف أثمر الذكر جهادا وخدمة للأمة بالنهار، وتبتلا وإشفاقا ورهبانية بالليل، ولنرى كذلك بأي إرادة وبأي فهم فهموا كلام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون، (عند البخاري): بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 2. ولا أجد في هذا المقام إلا شهاداتهم في بعضهم البعض، نرى من خلالها كيف انصبت في قلوبهم من كل الشعب رحمة الإيمان، فاستغنت عقولهم من الحكمة الجارية فيها، واتبعوا عملية مجاري الصواب بالتزام مآخذها ومآتيها فتم إيمانهم 3. فلا تتخلفوا إخوتي، اركبوا معنا إلى هناك.

روى الطبراني عن ربعي بن خراش قال: “استأذن سيدنا عبد الله بن عباس على سيدنا معاوية، فلما جلس قال له سيدنا معاوية: ما تقول في أبي بكر؟ قال: رحم الله أبا بكر كان والله للقرآن تالياً، وعن الميل نائياً، وعن الفحشاء ساهياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً ومن الله خائفاً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، ومن دنياه سالماً، وعلى عدل البرية عازماً، وبالمعروف آمراً، وإليه صائراً، وفي الأحوال شاكراً، ولله في الغدو والرواح ذاكراً، ولنفسه بالمصالح قاهراً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وزهداً وعفافاً، وبراً وحياطة، وزهادة وكفاءة” 4، وصف دقيق لرجل ذي قلب رقيق، ليل ونهار، إمارة، سلطة ووجل، أمة وثروة بيده وتحت رياسته، لكن صيام وحذر وشكر وورع….

طالع أيضا  رجال نحبّهم

“قال سيدنا معاوية: فما تقول في عمر بن الخطاب؟ قال: رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، وملاذ الضعفاء، ومعقل الحنفاء، للخلق حصناً، وللبأس عوناً، قام بحق الله صابراً محتسباً، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار، وذكر الله في الأقطار والمناهل، وعلى التلال وفي الضواحي والبقاع، وعند الخنا وقوراً، وفي الشدة والرضاء شكوراً، ولله في كل وقت وأوان ذكوراً” 5، الرجل القوي الذي يخافه الصديق قبل العدو، يجد اليتيم والضعيف والفقير وذو الحاجة ضالته عنده…

أما ضِرار بنُ حمزة 6 فأجمل وصف سيدنا عليا، كرم الله وجهه، لسيدنا معاوية بقوله: كان “بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعام ما جشب، كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، ولا نبتديه تعظمة، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، وكأني أسمعه وهو يقول يا دنيا، يا دنيا أبي تعرضت أم بي تشوفت، هيهات غري غيري، قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق، قال فذرفت دموع معاوية فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء، ثم قال معاوية رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها” 7.

وروى الحاكم عن أبي سعيد المقبري قال: لما طعن أبو عبيدة رضي الله عنه، ووضعوه في لحده وخرجوا، وشنوا عليه التراب قال معاذ بن جبل: “يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلاً أخاف أن يلحقني بها من الله مقت: كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيراً، ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين” 8.

هكذا كان حالهم فأثمرت الكلمة الطيبة أكلها في قلوبهم إيمانا، بل أثمرت أكلها في الحياة الدنيا والآخرة فنالوا فضل قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ 9، فثبتوا على المواقف، وثبتوا على طريق الحق، فتوجوا بالثبات عند الموت، ووعدهم الحنان المنان بالثبات عند السؤال، والثبات على الصراط، والثبات يوم الفزع الأكبر.

طالع أيضا  عمل السر

أوحى الله إلى رسوله: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ 10، فكانوا من أعظم الذاكرين وأرقاهم، ثم أصغوا بآذان قلوبهم إلى قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 11، فذاقوا “حلاوة الإيمان، وطعِمُوا طعمه، فحصل لهم اليقين” 12، فكانوا ينابيع الخير والرحمة والإيمان فذوقوا “تابعيهم، وذوّق تابعوهم تابعيهم” 13، فصارت أنهار أنوارهم تتدفق في كل وقت وحين، “ينور الله بها عباده، ويحيي بها أرض القلوب كما يحيي بغيث السحاب أرض الزرع” 14، تؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا 15. حتى نالوا وصف الرب الكريم في الحديث لهم: “إنَّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يُذكرون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم” 16.

فكيف لا يكونون كذلك وقد “كانوا إذا ذكروا الله تعالى مادوا كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم” 17، وكيف لا يكونون كذلك وكانوا يجلسون إلى التوابين لأنهم أرق أفئدة فترق أفئدتهم.

وكيف لا يكونون كذلك وقد لقنهم عليه الصلاة والسلام كلمة التوحيد مباشرة، ثم قال: “أبشروا فإن الله عز وجل قد غفر لكم” 18.

وكيف لا يكونون كذلك وهم الذين خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه سلم في حلقة فقال: “أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة” 19. وفي رواية أخرى: “إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها” 20.

رضي الله عنهم أظمؤوا نهارهم حتى نحلت جسومهم، وقاموا ليلهم حتى توردت أقدامهم، كانوا للقرآن تالين وعند حدوده وقافين، وللألسن بالذكر شاغلين، وللمظلوم ناصرين، ولأموالهم منفقين.

طالع أيضا  أطايب الكلام

ونختم بهذا النص الجامع للإمام المجدد رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا به والأمة في الدنيا والآخرة: “إن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة لا بد لها من زرع ورعاية وسقاية، فمن لقي رجلا كاملا يلقنه لا إله إلا الله يزرعها في قلبه بما أوتي من روحانية مهيمنة ويسقيها بسره من غيب لغيب بمدد الله تعالى، وكان مريدا محبا يتلقى بصدق فذلك أحر به أن تنمو نبتته وتترعرع وتوتي أكلها فلاحا ونورانية وحياة” 21.


[1] رواه مسلم والترمذي.
[2] روى مسلم والبخاري ببعضه، انظر مقدمات في المنهاج، ص: 72.
[3] نفسه، ص: 73، بتصرف.
[4] نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد، مكتبة القدسي،  1414هـ / 1994م، عدد الأجزاء: عشرة أجزاء، ج: 9، ص: 158/159.
[5] نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد، مكتبة القدسي،  1414هـ / 1994م، عدد الأجزاء: عشرة أجزاء، ج: 9، ص: 158/159.
[6] تابعي من الطبقة الأولى كان مصاحبا لسيدنا علي كرم الله وجهه.
[7] التبصرة لابن الجوزي فِي فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ ، حديث: 93 وهو موقوف, انظر كذلك نهج البلاغة، ج: 18.
[8] وجدت إشارات في بعض الكتابات أنه في المستدرك، ج: 3، لكنني لم أتوصل اليه في هذا المصنف.
[9] الآية 27 سورة إبراهيم.
[10] العنكبوت: 45.
[11] الرعد: 28.
[12] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج: 2، ص: 20.
[13] نفسه.
[14] نفسه.
[15] إبراهيم: 25.
[16] رواه الإمام أحمد في مسنده.
[17] من كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي رحمه الله، ولذكر الله أكبر مدرسة الإمام المجدد. ذكر الله لذة العارفين.
[18] رواه الإمام أحمد.
[19] ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، دار الكتاب العربي1416 / 1996م عدد الأجزاء: جزءان، ص: 401.
[20] جلال الدين السيوطي واسمه عبد الرحمن بن الكمال بن محمد الخضيري السيوطي، الحاوي للفتاوي، دار الفكر للطباعة والنشر، سنة النشر: 1424 هــ – 2004 م، عدد الأجزاء: جزءان، أخرجه مسلم والترمذي عن معاوية.
[21] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص: 211.