في مجلس جديد من مجالس النصيحة يتحدث الأستاذ المربي محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان عن الصبر فيقول:

نسأل الله تعالى أن يُخَلِّقَناَ بأخلاق أصفيائه وأوليائه وأحبابه من أنبيائه وعباده الصالحين، وعلى رأس هذه الأخلاق خلق الصبر الذي أمر الله تعالى في القرآن في غير ما آية. أمر أنبياءه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. الصبر مع الجماعة لنيل رضا الله عز وجل.

والأصل في هذه الدنيا أن جعلها الله دار امتحان وابتلاء، والصبر على الامتحان والابتلاء يميز الله عز وجل به الصادق من الكاذب: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. وأكثر الناس ابتلاء هم أولياؤه وأحبابه وعلى رأسهم الأنبياء: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلي الرجل على حسب دينه”، إن كان الدين قويا كان ابتلاؤه أكبر، وإن كان ممن دينه قليل فابتلاؤه على قدر دينه. معنى هذا أن الإنسان ينبغي أن يوطن نفسه على تحمل الأذى وعلى مشاق الطريق وعلى الاستمرار والدوام على طاعة الله سبحانه وتعالى إلى أن يلقاه عز وجل. يقولون: “من عرف ما قصد هان عليه ما وجد”.

ما السبيل إلى الاتصاف بهذه الخصلة؟ أنى لنا أن نكتسبها؟ من عرف ما قصد هان عليه ما وجد. العبد يطلب رضا الله فلا يبالي ما يعترض طريقه من أهوال لأنه عرف ما قصد بل أحيانا يتلذذ بما يلاقيه في طريق الله عز وجل. سيدنا بلال يُضرب بالسياط ويوضع على الصخور المحماة فلا يزيده ذلك إلا إقبالا على الله عزو جل لأن الروح حين تعيش حالة من الفرح لا تشعر بما يعانيه الجسم من آلام؛ فلذة المناجاة تطغى على ألم الجسم فلا يشعر بالألم والله عز وجل يفرغ على عباده صبرا كما جاء في الآية: ربنا أفرغ علينا صبرا، من صبر يصبره الله فلا يشعر بالأذى  “اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه” فيصبح البلاء كأنه جنة. ورد عن بعض الصحابة: “حبذا المطهرين: الفقر والمرض”. المرض معاناة كبيرة للجسم، وبحكم نتيجته وثمرته وهي التطهير كانوا يتمنونه.

إذن الإنسان يصبر، لماذا؟ لأنه يريد رضا الله عز وجل ثم يصبر نتيجة لما ينتظره من جزاء كثير. من الناس يتحملون المشاق والصعبات لأجل تحقيق مقاصدهم ومرادهم، يريد الإنسان مثلا أن يصبح دكتورا فيسهر الليالي ويتعرض لمعاناة الامتحانات لأن له غاية يريد أن يحققها، ومن يريد أن يبني دارا فكم يستغرق من جمع الأموال ومواصلة الليل النهار في التخطيط والتدبير والإعداد من أجل هذه الغاية البسيطة، إذن فمن يريد وجه الله عز وجل عليه أن يتحمل كل الصعاب والله عز وجل يسهلها عليه.

إذن كيف نكتسب هذه الصفة، صفة الصبر؟ لا بد أن نستحضر ماذا يترتب عن هذا الصبر. والله سبحانه وتعالى أخبرنا بكثير من الثمار ومن الفوائد التي يجنيها الصابرون: معية الله عز وجل، إن الله مع الصابرين صلوات الله ورحماته وهدايته: قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. الأجر العظيم الذي لا حد له: أجر غير ممنون، غير مقطوع، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب كل عمل له جزاء محدد والصبر جزاؤه غير محدد مثل الصيام والصيام يسمى صبرا، فجزاء الصيام لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. لا يكل ذلك إلى الملائكة. إذن فالصبر كذلك لم يكله سبحانه إلى الملائكة. هو الذي تكفل بإثابة صاحبه عليه. إذن له أجر عظيم عند الله عز وجل. والملائكة يوم القيامة تستقبل الصابرين بالتحية والسلام: سلام عليكم بما صبرتم. عندما يستحضر الإنسان ماذا سيجنبه من الصبر يتصبر والصبر في اللغة هو الحبس، يحبس نفسه. والصبر هو إكراه النفس على أمر لا تحبه، أن تستيقظ في الليل والنوم يراودك فالنفس تنزعج، فإذا حملت نفسك على القيام وقمت إذن فقد حملتها على ما تكره، تأتي من مكان بعيد لتحضر اللقاء وتصبر مع إخوانك في هذا اللقاء فالنفس تكره هذا، أن تجاهد في سبيل الله أن تستمر على الطاعات… كل ما تكرهه النفس ينبغي أن يحمل الإنسان نفسه على ما تكره حتى يصبح ما تكرهه من ألذ الأعمال إليها من “أرحنا منها” إلى “أرحنا بها”.

فيجد الإنسان لذة فيما كان يجد فيه ألما ومشقة وتعبا في البداية، ومع مرور الزمن يستحلي هذا الأمر في سبيل الله فيهون كل شيء وخصوصا الصبر على الطاعة.

الله تعالى في سورة العصر حكم على الإنسان بالخسران واستثنى من توفرت فيه هذه الشروط الأربعة: إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فلابد من هذا الصبر الجماعي الذي ينبغي أن نتواصى به. الحق هو الله عز وجل، والحق شرعه، إذن الصبر على تعلم الحق والصبر على العمل به، والصبر على تبليغه وهو أشق. كيف تصبر نفسك على تعلم الحق وعلى العمل به وعلى تبليغه؟ فإذا لم يوطن الإنسان نفسه على التحمل، يصبر يوما وشهرا وعاما ثم ينتكس على عقبيه. وكم سمعنا وكم رأينا  ممن كانت لهم أقدام راسخة في الدعوة إلى الله عز وجل وجاءت الامتحانات والابتلاءات فتراجعوا إلى الوراء، تنقصهم الربانية ليسوا من الربيين، فإذن هذه الصفة صفة الربية هي التي تحمل الإنسان على الثبات وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين. إذن درجة المحبوبية درجة عظيمة عند الله عز وجل، فلكي أنال هذه المرتبة ينبغي أن أستهين بكل المخاطر وبكل الأهوال وبكل العقبات التي تقف في طريق الله عز وجل؟

ثم إن الله عز وجل بعرض علينا نماذج في القرآن الكريم ممن ابتُلوا فصبروا، لماذا؟ لنجعلهم قدوة وعلى رأسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الله تعالى يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع الأنبياء يقول: فبهداهم اقتده يقول اقتد بهؤلاء الأنبياء والأمر موجه إلينا أن نقتدي بهم. يستعرض علينا قصة سيدنا يعقوب كيف صبر على فقدان سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، وقصة سيدنا يوسف كيف صبر صبرا مزدوجا على البلاء وعن الشهوة. الصبر عن والصبر على الصبر عن هو أن تكبح جماح نفسك حتى لا تقع في المعصية وهذا أمر صعب جدا، كيف يصبر الإنسان وهو متمكن سبل الزنا ومع ذلك يملك نفسه فلا يستسلم لنزوات الشيطان ولنزغاته ويسأل الله تعالى أن يثبته. والثبات من عند الله عز وجل…