كتب شباب حينا، حي القدس، على جدران البنايات عبارة “القدس المختلة” تعبيرا منهم عن الواقع البئيس الذي يكابدون معاناته صباحا مساء، والذي من أبرز سماته ويومياته العطالة والتهميش وتعاطي المخدرات. وهم بذلك يصفون واقعهم ويصرخون في صمت لإثارة الانتباه إلى محنتهم، وما فعلوا ذلك إلا لأنهم حُرموا ومُنعوا حتى من التعبير عن معاناتهم و واقعهم عبر وسائل الإعلام العمومية، أو من خلال جمعيات ومنظمات المجتمع المدني التي لا يُسمح فيها إلا لمن يحترف التسبيح بحمد المخزن وحاشيته.

طبعا لا تكاد تخلو مدينة ببلدنا الحبيب المغرب من حي يحمل اسم القدس، وهي تسمية دخلت إلى مجال التصميم الحضري للمدن منذ سنة 1978م حين تم اختيار المغرب من طرف منظمة المؤتمر الإسلامي سابقا، منظمة التعاون الإسلامي حاليا، رئيسا للجنة القدس التي أُحدثت أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وأسندت رئاستها الدائمة للمغرب في شخص الحسن الثاني رحمه الله.

وكما أطلق اسم القدس على أحياء بالمدن المغربية، تمت تسمية أحياء أخرى بالمسيرة إشارة إلى حدث المسيرة الخضراء سنة 1975م. وهكذا في دول الاستبداد تعم اختيارات وإنجازات الحكام والأنظمة كل المجالات بما فيها الجوانب التقنية من مثل التخطيط العمراني بالمدن والحواضر.

“القدس المحتلة” شكاة مظلوم وزفرة مكلوم من شباب أسيئ تعليمه وتوجيهه، واكتملت الجريمة في حقه، عندما سُدت في وجهه الآفاق، آفاق المستقبل، آفاق الشغل والاستقرار الاجتماعي والنفسي. وكأني بالشباب يوظف الثقافة المجتمعية التي تربط بكل سهولة بين الاختلال والعقل، إذ من التعابير المشهورة والمتداولة في كلام الناس وعبر وسائل الإعلام داخل المغرب وخارجه هي عبارة “مختل عقليا”. وفي ذلك إيحاء إلى مرض العقول والأجسام المتفشية بين الشباب، إذ من معاني الاختلال الهزال.

في اللغة العربية: “الخلل الفُرجة بين شيئين والجمع خلال كجبل وجبال. وقرئ بهما قوله تعالى: “فترى الودق يخرج من خلاله” و(خلله) وهي فرج في السحاب يخرج منها المطر. و(الخلل) أيضا الفساد في الأمر… واختل إلى الشئ احتاج إليه. ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يُختل إليه. أي متى يحتاج الناس إلى ما عنده. واختل جسمه هُزل… اختل الأمر بمعنى وقع فيه الخلل” 1.

الخلل إذن فساد يعم البر والبحر في البلاد العربية الإسلامية، ويشتكي من لظاه الإنسان والكائنات الحية والجامدة. فلا الشعوب عاشت حياة كريمة كما ينعم بها كل بني البشر عبر المعمور، ولا الوسط الطبيعي سلم من التدهور والدمار والخراب، فهو كما يعبر المختصون يواجه اختلال التوازنات البيئية.

الخلل فرجة وفجوة تفصل بين ما تعيشه قلة من حكام البلد المتنعمين بكل الخيرات، وما يكتوي به عامة الشعب، وفي مقدمتهم شباب اختل وهزل جسمه وعقله وشلت إرادته وانطفأت عزيمته، بفعل السياسات الفاشلة المختلة. فهم، أي الشباب، طاقات مهدرة في انتظار من يحسن تربيتها وتعليمها وتوجيهها نحو المعالي بما يعود بالخير والنفع العميم عليها وعلى المجتمع والأمة.

إن “القدس المختلة” لم ولن تُنسي الشباب المغربي إحدى قضاياه المهمة وهي قضية القدس المحتلة. ورغم سياسات التجهيل والتفقير والتخدير المغناطيسي منه والبيولوجي. المغناطيسي التكنولوجي بواسطة الوسائل التكنولوجية الحديثة والمتطورة وما تضخه من مواد وبرامج. والتخدير البيولوجي بفعل نشر وانتشار المخدرات بكل أنواعها بين صفوف الشباب على أبواب المدارس والجامعات، وفي مدرجات الملاعب. رغم ذلك فإن الشباب المغربي لم ينس قضية فلسطين وبيت المقدس التي ترزح تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم، وتتعرض لمؤامرة دولية تتجه بها إلى أن تتحول عاصمة للكيان المهزوم. وقد عبر الشباب عن حبهم وتعلقهم ونصرتهم لها، ومن أبرز تجليات ذلك رفع العلم الفلسطيني وترديد الشعارات المساندة لها في مدرجات ملاعب كرة القدم ببلدنا، ومن قبل شباب ومجموعات مشجعي الفرق الرياضية التي أراد لها الحاكمون أن تكون ملهاة للشباب، إلا أنهم أكدوا وعيهم وتهممهم بالقضية وعبروا عن استعدادهم ليكونوا نصيرا للقدس وفلسطين يُختل إليهم، أي يرجع إليهم عند الحاجة.

الشباب ثروة الأمم وقوتها و مستقبلها الذي به تبني مجدها وتشيد حضارتها، وتذود عن حماها وحرماتها، وبالشباب حفظ الله القدس من مخططات الاحتلال في التهويد وطمس المعالم، وهي اليوم تواجه أعتى حملات العدوان الصهيوأمريكي، المدعوم من طرف تلامذة الغرب، حكام العرب المختلون الفاسدون المفسدون بسياساتهم وسوء تدبيرهم، المخلون بواجباتهم تجاه شعوبهم وأمتهم.

الفرق بين المحتلة والمختلة نقطة وقطرة قد تفيض كأس صبر الشعب المظلوم، فيقوم وينتفض في وجه ظلامه.

 


[1] محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، صفحة 187 ـ 188.