محمد الزعراط وياسر الخياط

وجه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في رسالته الشهيرة “رسالة إلى الطالب والطالبة إلى كل مسلم ومسلمة” نداء إلى الشباب الذي أطلق عليهم فيها “مادة الفتوة وقوة الاقتحام”، وهو حديث من القلب إلى القلب نحو الطالب الذي هو أستاذ الغد، مهندس وصانع… والطالبة التي ستكون مربية الأجيال والموظفة والطبيبة… فهي رسالة إذا إلى ”طالب الخبز والمسكن والزواج والشغل والكرامة والاستقرار.. إلى طالب العلم والأمن والسلام.. إلى طالب الحق والعدل.. إلى طالب السعادة في الدنيا والآخرة.. إلى طالب الجنة.. إلى طالب القرب من الله؛ ”منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. وفيها تكلم عن أبرز التحديات والمعيقات التي قد تواجه الطلبة “الشباب” على مستوى الجامعة وبالتحديد في مرحلة الطلب – طلب الشهادة – بالتوازي مع نتوءات العقبة التي تنتظرهم ما بعد هذه المرحلة حيث الصدام مع الواقع البئيس في الغد الدامس الغير مشرق بتلك الأحلام والتطلعات التي تغذت في مرحلة الطلب بالمثابرة والإقدام. ومما يجدر الإشارة أننا هنا لسنا بصدد الدخول في عملية قراءة للرسالة إنما كان الحديث عنها لايخرج عن كونه مدخلا إلى تسليط الضوء على العديد من القضايا التي تعيشها وعايشتها الحركة الطلابية المغربية على وجه الخصوص والمجتمع المغربي على وجه العموم، إننا بهذا الاعتبار سنحاول الانتقال في هذا المقال من ماهو عام إلى ما هو خاص وبمعنى آخر من الشارع السياسي المغربي وما يعرفه من احتجاجات في يومنا وأمسنا القريب (حراك الريف والأساتذة المرسبون أنموذجين) وصولا إلى مجموعة من الأحداث التي عرفتها الحركة الطلابية وبالتحديد بعد دخول الإسلاميين (قضية الطلبة الاثني عشر والطالب عمر محب وطلبة الجديدة(.

1- موجة الاحتجاجات ما بين القديم والجديد:

“حرية، كرامة، عدالة اجتماعية” شعارٌ لخص حال مئات الأشكال الاحتجاجية التي عرفها بلدنا الحبيب على جل مناطقه الممتدة جغرافيا من شماله إلى جنوبه وشرقه إلى غربه، وبالتحديد قبل 7 سنوات من الآن تحت يافطة “حركة 20 فبراير” حيث عبر الشعب المغربي المكلوم عن رفضه “للحكرة” والظلم الممارس عليهم من طرف الدولة، فهو بهذا ليس معزولا عن موجات ما يطلق عليه “بالربيع العربي” التي عرفتها الدول العربية على المستوى الإقليمي، وهذه الحركة ما هي إلا امتداد للعديد من الموجات التي عرفها المغرب تاريخيا ما بعد الاستقلال الشكلي، أو مايطلق عليه الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي ب”الاحتقلال”، مثل انتفاضة الريف 1958 و 1965 بالبيضاء و انتفاضة “الكوميرا” 1981 وانتفاضة التلاميذ 1984 وفاس 1990 وغير ذلك من الموجات التي تميزت بحضور الشباب القوي فيها الرافض لمظاهر الاستغلال والاستعباد وخنق حرية الرأي وتهميش الديمقراطية، والتي قاربتها الدولة المغربية كعادتها مقاربة أمنية مغطاة برداء أخلاقي ديني بتوظيف المنابر والدروس على مستوى المساجد من أجل رمي أحرار هذا الوطن في الأمس القريب واليوم بتهم الانفصال وإيقاظ الفتنة والعمالة لقوى خارجية، وبتوظيف الإعلام أيضا عن طريق القنوات المرئية والموجات السمعية والجرائد الصفراء بغية توجيه الرأي العام حول هذه التمردات على الواقع المعاش العادلة والمشروعة، وكل هذا كان في فترة زمنية عرفت بسنوات الرصاص مع إدريس البصري والحسن الثاني، أما 20 فبراير فقد جاءت إضافة إلى السياقات التي ذكرنا في ما وراء فترة رفعت فيها شعرات رنانة كذبتها “ولا تزال” الوقائع والأحداث المعاشية التي عرفها بلدنا الحبيب، ولعل هذه الموجة خير معبر عن عملية التمرد المنظم على هذه الوقائع وعلى تلك الشعارات من قبيل (العهد الجديد، دولة الحق والقانون، ملك الفقراء…) فكانت المطالبة بوقف استغلال النفوذ ونهب ثروات البلاد ومحاسبة المفسدين وكذا بالشغل وتوفير الخدمات والبنيات التحتية في مجموعة من المناطق التي تتوفر على ثروات طبيعية قادرة على توفير مشاريع اقتصادية ضخمة لأبنائها، لكن للأسف مازالت الدولة تتعاطى مع مطالب الشعب بمنطق العصا عوض منطق أن للمواطن حقوقا يجب أن يحصل عليها.

أ‌- حراك الريف أنموذجا:

“ولد الكلبة”، “ابن العاهرة “، “ولاد السبليون”، “الأوباش” وهلم جرا من ألوان السب والشتم التي قُـذف بها نشطاء حراك الريف، قبل وأثناء وبعد الاعتقال، لا لشيء إلا لأنهم طالبوا إلى جانب الساكنة برفع العسكرة عنهم وعن منطقتهم، وجامعة ومستشفى، وغير ذلك من المطالب العادلة والمشروعة المسطرة جماهيريا من طرف أحفاد عبد الكريم الخطابي. إنه لمن المؤسف أن يوجد في وطن يفتقد شبابه وشباته لأبسط شروط العيش الكريم والحرية والكرامة، في مقابل تهرب أمواله وخيراته لبنوك خارجية سرية وبحسابات شخصية (في بنما وسويسرا)، بالتوازي مع إغراق البلاد في أطنان من الديون من البنك دولي تكون مدخلا للأخيرة لتدخلها في قرارات وشؤونك الداخلية. وإذا احتججت ونددت بالوضع يكون مصيرك القمع والسجن والتعذيب بشقيه المادي والمعنوي، وما يتعرض له نشطاء حراكي الريف وجرادة خير دليل، حقا إنها مشاهد مبكية تروى من طرف المعتقلين ظلما وعدوانا، إن نبرة كلامهم يغلب عليها الإحساس بالقهرة والظلم، ففي خرق سافر لحقوق المواطنة التي تتغنى بها الدولة المخزنية تعرض النشطاء لاعتداءات جسدية وصلت إلى حد الاغتصاب بأدوات حديدية حادة (من ما يرويه أحد أبرز نشطاء حراك الريف ناصر الزفزافي بعدما طلب من والدته مغادرة القاعة كي لا تتأثر بما سيقوله، وبنبرة تعبر عن القهر والألم قال: “أدخلوا عصا في دبري”(.

ب‌-  الأساتذة المرسبون” اقصاء بسبب الانتماء:

شهد المغرب العام الماضي موجة من الاحتجاجات من طرف الأساتذة المتدربين على المرسومين اللذين أصدرتهما وزارة التربية الوطنية واللذين يضعان حدا للتوظيف المباشر بمجرد استيفاء عام كامل من التكوين في مراكز الأساتذة. فبهذا يصبح على الأستاذ المتدرب إعادة مباراة ثانية لدخول سلك التدريس العمومي. وبعد نضالات طويلة ونوعية امتدت لأشهر وأشهر، كانت المسيرات في العاصمة على المستوى الخاص كتتويج لمجموعة من الأشكال النضالية على مستوى المراكز الموجودة على الرقعة الجغرافية لهذا الوطن الجريح، أذعنت الدولة لمطالب الأساتذة ووقعت معهم محضرا بتاريخ 13 أبريل مع والي الرباط السابق وزير الداخلية الحالي، عبد الوافي لفتيت، والذي ينص بشكل صريح على توظيف فوج “الكرامة” 2016 من الأساتذة المتدربين كاملا، إلا أنه بعد ذلك يتفاجأ الرأي العام الوطني المتتبع لهذه المعركة بنقض العهد والاتفاق المبرم من طرف الدولة ليكون ترسيب أزيد من 150 أستاذا وأستاذة إضافة إلى أساتذة مركز العرفان والأستاذات الحوامل وأصحاب الشواهد الطبية، بعد نجاحهم في الكتابي وترسيبهم في الشفوي “وعدم الافراج عن نقاطهم” لتعبر الدولة عن معاقبتها لهم لتصدرهم المشهد في معركة فوج “الكرامة” فهي تحاول من هذا الترسيب توجيه رسائل لكل من تسول له نفسه النهوض وقول “لا” لهذا الواقع اللاإنساني، أما العامل الثاني فكان انتمائهم السياسي، ليدخلوا بعد ذلك في معارك بطولية أبرزها كان الاضراب عن الطعام المفتوح والذي امتد لما يقارب ثمانية أيام ليرفع بعد ذلك لتزايد حالات الخطيرة المنقولة إلى المستعجلات وفي تجاوب مع مجموعة من المناشدات التي أطلقتها الهيئات والمبادرات على رأسها المبادرة الوطنية لمساندة الاساتذة المرسبين وكذلك ملتمس المجلس الوطني وغير ذلك. وإلى الآن لا يزال ملف الاساتذة المرسبين خير معبر على مكيافلية الممارسة التي تنهجها الدولة أمام كل الأفعال والمواقف الحرة والعادلة والمشروعة القادمة خاصة من الشباب .

2- الجامعة المغربية والمقاربة الأمنية:

لطالما كانت الحركة الطلابية المغربية حركة احتجاجية معارضة ورافضة للسياسات المجحفة في حق الشعب المغربي المكلوم، ومفجرة لمعارك من داخل الساحة الجامعية وفي نفس الوقت داعمة للحراكات خارجها (مجموعة من الانتفاضات الشعبية كانت بتأطير الجماهير الطلابية)، وفشل الدولة في التعامل مع قضايا الطلبة جعلها تنهج المقاربة الامنية العنيفة، بل أصبحت سياسة العصا الغليظة والاعتقالات الخيار المفضل عند دوائر القرار الرسمي للدولة مواجهة أي تحرك طلابي كيف ما كان نوعه أو مطالبه.

أ‌- ٢٠ سنة لاثني عشر طالبا في ملف غامض من أوله لأخره” :

بعد دخول فصيل طلبة العدل والاحسان إلى الساحة الجامعية سنة 1991، اعتقل اثني عشر طالبا بتهمة اختطاف الطالب اليساري: “المعطي بوملي” من قاعة الأشغال التطبيقية بكلية العلوم وجدة وقتله ورميه أمام منزلهم، ولم يفصح لحد الأن النظام المخزني عن نتائج تشريح الجثة و مكان قبره وكذا عائلته مما يطرح العديد من علامات الإستفهام حول قضية دفعوا فيها ضريبة 20 سنة من حياتهم وراء القضبان بدون دلائل ومعطيات ملموسة تثبت على أنهم الجناة، فزهرة شبابهم مرت في السجن بسبب حسابات سياسية ضيقة علما أنهم ينتمون لجماعة ترفض العنف فكرا وممارسة .

ب‌-  عمر محب الغائب واقعا الحاضر إذا أرادت الدولة :

توبع عمر محب أحد رموز فصيل طلبة العدل والإحسان في تسعينات القرن الماضي بفاس بالمشاركة في قتل الطالب اليساري “محمد بنعيسى آيت الجيد” في خضم الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الساحة الجامعية، ويعود تاريخ الحادث إلى 25 فبراير 1993 الذي كان حينها المتابع عمر محب يشارك في تأطير ملتقى طلابي بالبيضاء كما أفاد بذلك مجموعة من الشهود ويؤكده توثيق النشاط الطلابي بالصوت والصورة. وبحكم الواقعة كانت سنة 1993، لم يكن إلقاء القبض على عمر محب لم يتم إلا بتاريخ 15 أكتوبر 2006 أي بعد مرور ما يزيد عن 13 سنة على ارتكاب الفعل، علما أن العارض يقيم بفاس وأخد الإجازة في الفيزياء سنة 1995 بظهر المهراز، وتزوج واستقر بفاس وظل ينظم معارض للكتب سنويا. كما هو معروف موقف النظام من جماعة العدل والإحسان التي استعصت على الترويض وامتنعت عن ولوج بيت الطاعة المخزنية، وتنامى إشعاع الجماعة في المجتمع وتغلغلها بين جميع فئاته حتى أصبح مزعجا للنظام وبات لزاما وفق للعرف المخزني توجيه ضربات للجماعة تشويشا على حيويتها وثنيا لخطها وتليينا لمواقفها وتشكيكا في نهجها التربوي وسلمية أسلوبها، وكذا لقبول الانخراط في اللعبة السياسية. فجاء تحريك ملف آيت الجيد المتقادم أصلا ناهيك عن كون اتهام عمر محب عار من أي سند أو دليل قاطع، وما يؤكد أن قرار فتح الملف قرار سياسي من أوله إلى آخره لتصفية حسابات سياسية مع الجهات المزعجة له هو اعتماد القضاء على شهادة واحدة من شخص يدعى الحديوي الخمار الذي ينتمي لتيار آيت الجيد القاعدي، الذي كان أصلا متهما في ارتكاب الفعل، والغريب في الأمر هو كون الشاهد بدأ يتذكر سنة 2006 جزئيات وتفاصيل الحادث لم يكن باستطاعته تذكرها سنة 1993. ورغم أن القانون واضح في مثل هذه الحالة يبقى ملف متابعة السيد عمر محب وتوقيت فتحه وكذا مراحله يكشف نوايا المخزن لتوظيف سياسي لمتابعة تفتقر لأبسط القرائن الواقعية والقانونية. لكن ربما يتطلب الأمر ذبح بقرة (كما حدث لقوم موسى عليه السلام) وضرب آيت الجيد ببعضها لينطقه الله عز وجل معلنا اسم من سفك دماءه وأزهق روحه فضح لتدليس من تلاعب بمصير الأبرياء ويستتر عن القاتل الحقيقي. لتبقى ورقة آيت الجيد هي الأخرى ورقة في يد المخزن يستعملها متى شاء ضد الجهات التي تزعجه.

ج- المخزن وتدنيس الحي الجامعي “اعتقال طلبة الجديدة الأربع” :

من أجل توفير شروط عيش البسيطة، ومن أجل الحقوق التي كان من المفترض أن تكون ويتمتع بها كل طالب وطالبة، ناضل طلبة الجديدة من داخل منظمتهم العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بملف مطلبي مسطر عادل ومشروع (مطعم جامعي، توفير الماء الساخن في الحي الجامعي، عمد الانتقائية في عملية التسجيل…) فكانت كفيلة بتدخل قوى القمع المتمثلة في عناصر القوات المساعدة والأمن الوطني وتدنيس الساحة الجامعية لاعتقال أربعة طلبة بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة والزج بهم في زنازين الظلم عوض المدرج الدراسي، والهدف من كل هذا هو إقبار الوعي النقابي النضالي وعسكرة الجامعة بطريقة مباشرة وغير مباشرة وهو أمر لطالما كانت مهووسة به عبر تاريخ الحركة الطلابية المغربية بعد الاستقلال الشكلي وفي ممثلها الشرعي المنظمة النقابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب .

” إهمال، إقصاء، وقمع…” كل هذا نتيجة غياب خطة تدبر قضية هاته الفئة الشابة التي مما يؤسف له أن ينظر إليها كطاقة رقمية للانتخابات والاستغلال السياسي، وغياب مشاريع اقتصادية جعلت البعض يلتجئ لقوارب الموت لتسوية وضعية كئيبة غامضة، هذا دون أن نتحدث عن الفشل الذريع الذي منيت به المنظومة التعليمة والمخططات الترقيعية المتوالية واحدة تلو أخرى والمفروضة سلفا من جهات خارجية. أمام هذا الواقع الأليم والفراغ المدوي المعاش جعلته يخضع لسياسات أخرجت منه فلولا مميعا مستلب الهوية والثقافة ومشتت الأهداف والطموحات. آن الأوان أن نقف وقفة تأمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطاقات المستقبلية المعول عليها في النهوض بتنمية البلد وقيادته للغد بخطى ثابتة وآمنة. آن الأوان أن نقول لا ثم ألف لا، وا”باركا من الحكرة”.