قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “الخير عادة والشر لجاجة، ومن يرِد الله به خيراً يفقهه في الدين” 1، كما تتفاضل الأعمال كذلك تتفاضل الأيام والأزمنة ويتفاضل الناس، فليلة القدر أفضل الليالي، ويوم عرفة أفضل الأيام، وشهر رمضان خير الشهور، وبيت الله الحرام خير المساجد، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد خير نساء العالمين، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولله في خلقه شؤون.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها مَن يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، وأن يُؤمن روعاتكم” 2 . ومن الأيام والشهور التي فضلها الله عز وجل وجعل فيها ثوابا كبيرا شهر شعبان، نقول ذلك ونُذكر به ونحن على مشارف هذا الشهر الكريم نسأل الله العلي الكريم أن يتفضل علينا فيلهمنا ما يحب أن نأتي من الأعمال والطاعات في هذا الشهر ويقدرنا على فعلها ويتقبلها منا على التمام والكمال إنه سبحانه القادر على ذلك وحده.

إن لهذا الشهر – شهر شعبان – عند الله تعالى فضيلة وأية فضيلة، فقد جعله الله نفحة من نفحاته، ومضمارا للتسابق بين عباده إلى مرضاته، ولعظيم فضله رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه إلا قليلا، ففي الصحيحين عن عائشةَ أمِ المؤمنين رضِي الله عنها أنَها قالَت: كان رسول الله صلَى الله عليه وسلَم يصوم حتَى نقول لا يفطر، ويفطر حتَى نقول لا يصوم، وما رأَيت رسول اللَه صلَى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إِلا رمضان، وما رأَيته في شهر أَكثَر منه صياما في شعبان. وفي رواية انفرد بها مسلم قالت: كان يصوم شعبان إِلا قلِيلا.

ومن فضائل هذا الشهر الكريم:

قال ابن القيم رحمه الله: ترفع فيه الأعمال إلى الله عز وجل، فعن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول اللَه لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل النَاس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأَعمال إِلَى رب العالَمين، فأحب أَن يرفع عملِي وأنا صائم 3.

فيه ليلة النصف، وهي ليلة عظيمة شريفة كريمة، ينزل فيها الله جل وعلا نزولا يليق بجلاله وكماله سبحانه إلى سمائه الدنيا فيغفر لأهل الأرض إلا لمشرك أو مشاحن كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأهل الأرض إلا مشرك أو مشاحن”.

شهر شعبان هو الموسم الختامي لصحيفة العبد وحصاد أعماله عن هذا العام. ترى بم سيختم عامنا هذا؟ ثم ما الحال الذي نحب أن يرانا الله عليه زمن رفع الأعمال؟ وبماذا نحب أن يرفع لنا عملنا إلى الله؟ هي لحظة حاسمة في دنيا المرء، يتحدد على أساسها رفع أعمال العام كله إلى المولى تبارك وتعالى القائل: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، فلا شك أحبتي أنه ما منا إلا ويحب أن ترفع له أعماله وهو في طاعة للمولى وفي خير طاعاته وثبات على دينه مع إخلاص العمل.

فرصة تاريخية لكل مخطئ ومقصر في حق الله ودينه ودعوته وأهل بيته، وهي فرصة لمحو الأحقاد من القلوب تجاه إخواننا، فلا مكان هنا لمشاحن أو حاقد أو حاسد، ولنتمثل قوله تعالى: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ، وسيد القوم من يصفح ويعفو، وهي فرصة لكل من وقع في معصية أو ذنب مهما كان حجمه، فرصة لكل من سولت له نفسه التجرؤ على الله بارتكاب معاصيه، هي فرصة لكل مسلم قد وقع في خطأ وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. هكذا علما رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي فرصة إذاً لندرك ما فات ولنبدأ صفحة بيضاء مع الله لا تلطخها معصية.

وعلينا واجب سلامة الصدر لكل الناس وإخواننا، وأهلونا أولى بالمعروف، وقدر الله في خلقه نزغ الشيطان فمن نزغه من الشيطان نزغ فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولندفع عن أنفسنا ذلك، ولنسارع أحبتي وليضع أحدنا يده في يد أخيه.

“وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يحب أن ترفع له الأعمال وهو صائم، قمة الحياء واستحضار شديد لرقابة الله في كل حركة وسكنة صلى الله على سيدنا محمد.

“ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها فعسى أن تصيب أحدكم فلا يشقى بعدها أبدا”، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعليه فإنا مطالبون بما يلي في هذا الشهر الكريم:

– التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي وترك المنكرات، والإقبال على الله بكليتنا.

– الإكثار من دعاء (اللهم بلغنا رمضان)؛ فإنه من أشد صور الإعانة على التهيئة الإيمانية والروحية للشهر الفضيل الذي يلي شعبان وهو رمضان.

– الإكثار من الصوم في شعبان؛ فإنه تربية للنفس ونستعد به للقدوم المبارك لشهر الخير والبركة، وأصح ما يمكن عليه الصوم إما صوم النصف الأول من شعبان كاملا، وإما صوم الإثنين والخميس من كل أسبوع مع صوم الأيام البيض.

– ثم أن يرتع المؤمن من حياض القرآن الكريم ويعيش معه كما لم يصاحبه في غيره من الشهور.

– التعود على قيام الليل من الآن بقيام ما استطاع المؤمن، كل ليلة تهجدا ومناجاة في وقت السحر على قدر المستطاع..

– ثم الانتقال من الغفلة إلى الذكر، ولتكن نصب أعيننا الوصية النبوية “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذكر”.

والحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.\
[2] أخرجه ابن أبى الدنيا والطبراني من حديث أنس.\
[3] حديث حسن رواه النسائي.\