يواصل فضيلة العلامة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام لجماعة العدل والإحسان شرح كتاب شعب الإيمان للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، في مجلس آخر من مجالس “في رحاب شعب الإيمان” الذي تبثه قناة “بصائر” الإلكترونية.

تناول الأستاذ عبادي في هذه الحلقة بالدرس الأحاديث من 52 إلى 57 المندرجة تحت الشعبة الثانية: الحب في الله عز وجل من الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة.

أخبر الأستاذ عبادي، في شرحه للحديث، أن الإيمان صنفان أحدهما فكري وآخر ذوقي، وأن هذا الحديث “يتحدث عن الإيمان الذوقي، الذي له حلاوة، وفيه متعة ولذة، فهو طعم القلوب، فإذا كان اللسان يكتشف طعم المأكولات فالقلب هو الذي يكتشف طعم المعنويات، الروحيات، كالذكر والقرآن والدعاء..”، وأن الحديث يكشف لنا أحد أوجه الوصول إلى هذا الإيمان الذوقي، “في الحديث يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب العبد لا يحبه إلا لله”.

واستحضر، لمزيد من التفصيل، حديث “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”، وحديث “ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلامَ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُول”.

واستنبط من الحديث سبل الوصول إلى هذا الإيمان الذوقي “من رضي بالله ربا رضي بحكمه وبقدره وبتصريفه سبحانه وتعالى عز وجل فيه وفي خلقه، فلا يعترض على قضاء الله تعالى، يحمد الله عز وجل على كل ما يصيبه، ويرضى به ويفرح به، من مقام الصبر إلى مقام الرضا إلى مقام الشكر، فيعتبر النقم والنعم من الله تعالى نعما. لا شك أن هذا يعيش السعادة والحلاوة الإيمانية”.

وزاد مفصلا في معنى حلاوة الإيمان وطرق تحصيلها: “هناك الإيمان وهناك حلاوة الإيمان، الإيمان الفكري موجود عند كل المسلمين والإيمان الذوقي يجب العمل من أجل اكتسابه، ومما يورث هذا الإيمان الذوقي الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا. ومما يورثه أيضا الحب في الله “فليحب العبد لا يحبه إلا لله عز وجل” وهذا ما يتحدث عنه أهل الله تعالى بتخليص الصحبة، فلا تحب الإنسان لغرض ولا لعرض ولا لفائدة ترجوها منه، بحيث أن هذا المحبوب سواء برّك أو جفاك فمحبتك إياه لا تتغير، أعرض عنك أو أقبل عليك، أعطاك أو منعك، أحسن إليك أو أساء إليك، لأنك تحبه لله سبحانه وتعالى عز وجل، أما إذا كانت هذه المحبة تتغير من حال إلى حال فهي ليست لله سبحانه وتعالى”.

لفت العلامة عبادي، في تفسيره لهذا الحديث، نظر المستمعين إلى التركيب اللغوي قائلا: “لاحظوا كيف أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قدم النتيجة على السبب، قدم الثمرة.. فحب الله تعالى ناتج عن حب العبد لأخيه..”، وزاد موضحا “الذي يحب صاحبه أكثر يكون أقرب إلى الله عز وجل، هذا عند الله، ويوم القيامة حتى لو كانت درجة المحبة تختلف فيما بينهما فسيكونان في مرتبة ومنزلة واحدة، لأن الإنسان لا يجد فرحته وسروره وسعادته إلا بوجود أحبابه أمامه ومعه، أما إذا كان يتنعم في منزلة ما وأحبابه دونه وليسوا معه فقد يتنغص عليه هذا النعيم، ولهذا يرفع الله سبحانه وتعالى أقل الناس مكانة إلى أعلاهم ليسعدوا بصحبتهم معهم أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ، رغم أن العمل يختلف”.

وأعاد الأستاذ التذكير بسيرة سيدنا معاذ، راوي الحديث، قائلا: “تحدثنا عن سيدنا معاذ بن جبل الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفضائله وشمائله ومواقفه لا حصر لها ولا عد، فهو إمام الأمة وإمام الأئمة، وهو أعمل الناس بالحلال والحرام، بعثه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا وداعيا إلى الله سبحانه وتعالى، ثم بعث بسيدنا عمر إلى الشام، وكانت له حلقات علمية كبيرة هو وأبو الدرداء”. وأبرز أن “هذا الحديث من بين فضائله، وهو يسمى الحديث المسلسل بالمحبة”.

وعرّف العلامة الأحاديث المسلسلة بقوله: “هناك أحاديث رواها الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين، وهي متسلسلة بأمر معين.. مثل الحديث المسلسل بالأولية “الراحمون يرحمهم الرحمان ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، بحيث يقول الصحابي: أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، ويرويه بعده التابعون بهذه الأولية.. وهذا الحديث مسلسل بالمحبة، فلا يزال المشايخ يروونه لطلابهم بنفس صفة رواية الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي، ثم الصحابي للتابعي، وهكذا إلى يومنا هذا، بحيث يأخذ بيده ويوصيه بهذه الوصية “لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”، فهو حديث مسلسل بالمحبة”.

يشير الأستاذ عبادي وهو يجلي معاني الحديث إلى أن “العبادلة الأربعة: ساداتنا عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، كانوا من سادة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن العلماء العاملين”. ويضيف مفصلا “وسيدنا عبد الله بن مسعود أسلم مبكرا قبل فتح مقر دار الأرقم بن الأرقم، وخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمزايا متعددة، فكان صاحب نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب وسادته وطهوره وسِواكه، كان المكلف بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور، وكان يدخل عليه أناء الليل وأطراف النهار ، وهو ما لم يكن يستطيعه الصحابة، فكان لا يدخلون على النبي إلا في النهار. وأوذي في الله في سبيل القرآن، في مكة قال رسول الله أن هؤلاء لم يسمعوا القرآن بعد، وسأل: من يستطيع أن يسمعهم القرآن، فقام سيدنا عبد الله بن مسعود وذهب إلى نادي قريش وبدأ يقرأه، فقاموا إليه وأشبعوه ضربا، فكان أول من جهر بالقرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه.. وأكرمه الله سبحانه وتعالى بالقرآن بحيث أنه أخذ مباشرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما يقول هو – أكثر من 70 سورة، وبقية السور تلقاها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأوصى رسول الله الصحابة أن يأخذوا عنه القرآن، هو وسيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه”.

ثم انتقل، بعد ذكر فضائل سيدنا عبد الله مسعود، إلى توضيح طريقة إسلامه قائلا: “كان راعيا لعقبة بن معيط لعنه الله وهو من صناديد كفار قريش وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، مر عليه رسول الله وهو يرعى الغنم فطلب منه أن يحلب شاة، فقال: إني مؤتمن، فسأله رسول الله إن كانت توجد شاة غير حلوب، فمسح رسول الله ضرعها وحلب منها فشرب وشرب عبد الله بن مسعود، عندها أعلن إسلامه”، وأضاف مجليا غناء سيرة الصحابي الجليل “شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المشاهد، وهو من قطع رأس أبي جهل في غزوة بدر، تعاون عليه صحابيان من الأنصار، معاذ ومعوِّذ ابني عفراء وصعد سيدنا عبد الله بن مسعود على أبي جهل، فقال له أبو جهل، وكان لا يزال يلفظ أنفاسه الأخيرة، لقد ارتقيت مرتقى صعبا، فحز رأسه، وناوله سيدنا رسول الله سيف أبي جهل”.

عرف الأستاذ عبادي راوي هذا الحديث قائلا: “سيدنا أبو الدرداء خزرجي أنصاري، أسلم يوم بدر.. وكان له صنم يعبده فتحايل عليه الصحابيان سيدانا عبد الله بن رواحة ومحمد بن سلمة، ودخلا إلى داره وهشما صنمه، ليبينا له أن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فكان هذا سبب إسلامه، ومنذ ذلك الحين لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمي أبا الدرداء لأن أسنان ابنته كانت قد سقطت (درداء)”.

واسترسل مجليا سيرة الصحابي الجليل:  “آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سيدنا سلمان الفارسي، وفي حديث زار سيدنا سلمان أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه فوجد زوجته مبتذلة وكان زوجها خارج المنزل.. فسألها عن خَطبها فأخبرته أن أبا الدرداء لا حاجة له في الدنيا، فليس لها حاجة في التزين وزوجها صائم قائم لا يبالي بدنيا ولا بزوجة، ولما عاد أبو الدرداء رحّب به وقدم له الطعام، وكان أبو الدرداء صائما فعزم عليه سيدنا سلمان بالأكل فأكل معه، أبطل صيامه فالصائم المتطوع الذي لا يقضي دينا أو فريضة أمير نفسه إن شاء استمر في صيامه وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه.. وجاء الليل وقام أبو الدرداء ليصلي فمنعه أخوه سلمان وقال له نم، فأخذ ينام قليلا ثم يريد أن يقوم فيمنعه ويقول له نم، حتى اقترب الفجر، فقاما وصليا وذهبا إلى المسجد النبوي، وظن أبو الدرداء أنه فعل أمرا مذموما شرعا فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، فأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال له أخوه سلمان “إنَّ لجسدِكَ عليْك حقًّا، وإنَّ لعيْنِك عليْك حقًّا، وإنَّ لزوْجِك عليْكَ حقًّا، وإنَّ لزَوْرِك عليْك حقًّا فأعط كل ذي حق حقه”، فرسول الله نبه إلى بعض الأمور ثم عمم “أعط كل ذي حق حقه”، والحقوق كثيرة، حق الطريق والبهائم والنبات والأولاد، وحقوق الله ورسوله والقرآن الكريم.. فكان سيدنا سلمان أفقه من سيدنا أبي الدرداء، الذي كان يغلب عليه جانب العبادة، في حين جمع سيدنا سلمان بين العلم والعبادة، وكلاهما من علماء المسلمين وأهل القرآن”.

بخصوص راوي هذا الحديث أنبأنا الأستاذ عبادي بأن “سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أسلم قبل إسلام أبيه، وأبوه أسلم حين فتح مكة، وكان صواما قواما منقطعا للعبادة، كان يقوم الليل كله ويصوم النهار ويقرأ القرآن كله من الفاتحة إلى الناس في يوم واحد، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأ يخفف عليه من العبادة، ووصل معه إلى الحد الأقصى وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما وأن يقوم ثلث الليل وأن يختم القرآن في ثلاثة أيام، وهو يخبر النبي أنه أطيق أكثر من ذلك، كان شابا صلدا رضي الله تعالى عنه وأرضاه بحيث كان يقاتل بسيفين أحدهما في اليمين والآخر في اليسار، ولما كبر سنه أصبح يقول يا ليتني قبلت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثقل عن العبادة لكنه لم ينقطع عنها وبقي على ورده حتى توفي عليه. نسأل الله تعالى أن يجعلنا كذلك”.