في هذا المجلس السادس والعشرين من مجالس الإحسان يقدم الأستاذ عبد الكريم العلمي المبحث السادس من فصل الصحبة والجماعة من كتاب “الإحسان” للإمام المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. وهذا المبحث يحمل عنوان: “الشيخ كإمام للصلاة”، وفيه ثلاثة محاور:

بواعث القاصدين لصحبة الله، ومراتبهم، وأقوال بعض العلماء الأفاضل في المشيخة.

يقول الأستاذ العلمي:

يبدأ الأستاذ المرشد هذا المبحث بالدعاء كما عودنا:

بسم الله الرحمن الرحيم. رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون. رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم.
في بداية هذه الفقرة يتحدث الإمام المرشد رحمه الله عن هذا الولي الذي نقصده إما لما وصلنا عنه ابتداء أو لما اشتهر به من فضل، فيتساءل عن الباعث الذي يذهب بالإنسان إلى هؤلاء، هل هو لطلب الدعاء لحاجتهم أو لأنهم مرشدون يحلون مشاكلنا أو هم أطباء يداوون أمراض قلوبنا؟

هناك درجات في سمو باعث المريد ودنوه، وهناك درجات في أهلية الشيخ. يقول الإمام المرشد:

“من المشايخ من له حظ من الولاية لا يؤهله لأكثر من إشمام جلسائه وأصحابه رائحة الرائحة، فمهما كان باعث المريد القاصد عاليا فالغنيمة لا تعدو قبضة من الخير في درجة التقوى والاستقامة. ومن المشايخ بحارٌ زخارةٌ بالأنوار، مفتوح لهم الباب، يجذبون القاصد ويرفعونه ويرقونه ولو جاء بباعث دونٍ. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”.
وقبل أن يمر رحمه الله على أقوال العلماء في درجة المشايخ يفتح بابا يقول فيه إن بعض العامة يشتركون مع بعض المريدين الصادقين في الغلو في الشيخ، وينبري العلماء لسد هذا الباب أمثال ابن تيمية رحمه الله خوفا من أن يُزاحَم مقام النبوة أو أن يؤدي الغلو إلى الشرك والعياذ بالله.

ويعترف ابن تيمية بالمشيخة ولكنه يهون من أمرها ويجعلها كإمام الصلاة، ويورد الإمام رحمه الله قولة ابن تيمية:
“قال شيخ الإسلام: “والشيوخ الذين يُقتدى بهم يدلون عليه (أي على الله جل جلاله)، ويرشدون إليه، بمنزلة الأئمة في الصلاة(…)، وبمنزلة الدليل الذي للحاج، يدلهم على البيت وهو وَهُمْ جميعا يحجون إلى البيت، ليس لهم من الإلهية نصيب، بل من جعل لهم شيئا من ذلك فهو من جنس اليهود والنصارى الذين قال الله في حقهم: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
ويعل عليه الإمام قائلا:

“ويسرد جزاه الله خيرا، صيغ الاسثغاثة بالأحياء والأموات الفاشية في العامة ليشدد النكير عليها. وهذه ذريعة خليقٌ بكل صادق أن يتجند لسدِّها”.
ثم يتناول درجة أخرى في اعتبار المشيخة ويورد ما قاله العز بن عبد السلام:

“فمعرفة سلطان العلماء الشافعي المنفتح بالمشيخة وأنوارِها أدقّ من معرفة الفاضل الحنبلي الفارس المتصدي للبدع. وكلاهما مفخرة للمسلمين.
قال ابن عبد السلام: “اعلم أن الخلق كلهم أطفال في حجر تربية الحق سبحانه يُغذِّي كل واحد من خلقه على قدر احتمال معرفته. فغذاء الرجال لا يصلح للأطفال، ومراكب الأبطال لا تصلح للبطّال. ألا ترى أن الطفل لمّا لم يُطِق تناول الخبز واللحم، أطعمته حاضنته فوصل إليه (الغذاء الذي يتضمنه الخبز واللحم) بواسطة اللبن ولو أطعم ذلك مجردا لمات. ومن هنا يقال: من لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه”.
ثم يعلق الإمام فيقول:

“الشيخ إذن أكثر من إمام الصلاة، بل هو قبلة وحاضنة مُغذية”.
فإذا جئنا إلى أساتذة الفن وجهابذته وجدنا المعرفة الأكمل بما هو الشيخ، لأن من يتكلم عن حال واتصاف ليس كمن يراقب من خارج الأسوار عن بعد أو قرب ويصف ما لحظته عيناه من ظواهر الأمور. ولئن كان سلطان العلماء طفلا أرضعته أثداء المشايخ السخيّة لمّا جاء طالبا راغبا، فإن أمثال الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي قدس الله سرهما هم المغذون والأئمة والقبلة، قبلة القلوب والحب، لا قبلة العبادة والصلاة”.
ثم يورد قولة الشيخ الرفاعي رحمه الله:

“قال الشيخ أحمد الرفاعي: “عليكم أي سادة بذكر الله! فإن الذكر مغناطيس الوصل، وحبلُ القُرب. من ذكر الله طاب بالله. ومن طاب بالله وصل إلى الله. ذكر الله يَثْبُتُ في القلب ببركة الصحبة. المرء على دين خليله. عليكم بنا ! صُحْبَتُنَا تَرياقٌ مجرّب، والبعد عنّا سم قاتل. أيْ محجوب! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة من عمل بلا إخلاص؟(…) من ينهض بك إلى العمل؟ من يُداويك من سم الرياء؟ من يدلك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟ «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». هكذا أنبأنا العليم الخبير”.
ويعلق الأستاذ المرشد على هذا الكلام فيقول:

“إنك يا غافل لا تقرأ إشهار رجل يدعو الناس إلى نفسه، إنما تقرأ نصيحة عالم عَدْلٍ يمحض جلساءه الوصية، ويوصي مَن بَعْدَ زمانه من الصادقين بأن الدواء والترياق هو الصحبة والذكر. الذكر والصحبة. “والبعد عنا سم قاتل”. نعم والله ولو حَيِيتَ حياة العافية في بدنك وظاهر إسلامك! هل طبت بالله كما طابوا؟ هل وصلت كما وصلوا؟ اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
ثم يعود بنا رحمه الله إلى كلام لابن خلدون لينطلق منه فيقول:

من وراء الخبرة و”المعاناة” التي وصفها ابن خلدون أمْرٌ زائد، رحمة خاصة يجعلها الله في قلوب أصفيائه، ويجعل طريق امتصاصها إقبال المريد بصدق، وتعلقه بشيخه كما يتعلق الرضيع بأمه، بمحبة وجوعة وشوق.
وهنا ينتقل الإمام المرشد إلى السلوك فيتحدث عن سلوك المجاهدة والذي كان في القرون الستة الأولى والشيخ أساسي فيه، ثم سلوك الشكر  والأمر فيه أيسر:

المجاهدة مُكَابَدَةٌ وصبر وصمت وعزلة وصوم وذكر وهم في الخلوات، حتى كان من المشايخ من يمنع مريده من مخالطة أحدٍ عدا شيخه. وطريق الشكر أيسر وأقرب، للشيخ و “مغناطيسيته” وبركته فيها الغناء الأول.
ثم يخلص الأستاذ المرشد إلى الصنف الثالث من السلوك الذي يدعو إليه:

“ونرجو من كرم من له الفضل والمنة والرحمة سبحانه أن يتصل مدد السالكين فيما يستقبلنا من زمان بحضرة النبوة فيكون السلوك جهاديا عفويا جامعا مانعا رائعا كما كان في عهد الصحابة وهم في حضن خير البرية صلى الله عليه وسلم”.
إذن فهناك طريق ثالث هو  طريق السلوك الجهادي وأوله وأئمته العظام الصحابة رضي الله عنهم في حضن النبي صلى الله عليه وسلم ثم التابعون ثم تابعو التابعين. والأستاذ المرشد يرجو أن يكون السلوك سلوكا جهاديا، ولن نجازف إذا سمينا هذا الكتاب بعد العنوان الرئيسي: الإحسان، “كتاب السلوك الجهادي الجماعي”، لأننا نتحدث عن الصحبة والجماعة والسلوك الجهادي الجماعي الذي كان على عهد الصحابة رضي الله عنهم الذي يرجوه الأستاذ المرشد من الله عز وجل لهذه الجماعة ولهذه الأمة من الآن إلى قيام الساعة وما ذلك على الله بعزيز.

وسنرى فيما يستقبل من مجالس كيف يتحدث الأستاذ المرشد عن “السلوك” – وهذه واحدة – ويفرق بين السلوك والتبرك، والثانية هي “الجهادي” ونفهم الجهاد بالمعنى الأعم الأعظم وهذا يحيلنا على المنهاج النبوي الذي جعله الإمام رحمه الله أحد عشر بابا: جهاد النفس وجهاد المال وجهاد التعليم وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكلمة والحجة وجهاد التعبئة والبناء والجهاد السياسي وجهاد التنفيذ وجهاد الكفر وجهاد النموذج الناجح وجهاد التوحيد.

ولا بد من التفاتة أساسية جدا ونعود إلى المنهاج النبوي، يقول رحمه الله:

“قد تجد وليا لله يجمعك على الله مع القعود”.

يعني ولي كامل مكمل واصل موصل ولكن يحقق بغيتك في الوصول ولكن مع القعود:

“خير منه ولي لله يجمعك على الله مع الجهاد”.

ونختم بما ينقله الأستاذ المرشد الذي يهيئ به لكلام سيدي عبد القادر الجيلاني في هذا الصدد:

“أنت يا من يعتز بعلمه، ولا عمل، فإن كان عمل فلا إخلاص، أيُّ شيء بيدك
تريد أن تخرِق به سدود ما بينك وبين ربك مما صنعته غفلتك ورياؤك؟ معك إبرةٌ! اسمع الجيلاني ناصِحَكَ:

“هذه الطريق لا تُسْلَكُ مع النفس والهوى(…)، هذا شيء لا يجيء بِعَجَلَتِكَ. يحتاج إلى حبال ورجال وصبر ومعاناة ومجاهدة. وأن تصحب بعض ملوك المعرفة حتى يدلك ويعرِّفك ويحمل عنك ثِقلك. تمشي في ركابه، فإذا تَعِبتَ أمر بحملك، أو أردفك خلفَه، إن كنت محبا أردفك خلفه، وإن كنت محبوبا أركبك في سَرْجه وركب هو خلفك. من ذاق هذا فقد عرفه. القعود مع أهل الأهليّة نعمة ومع الأغيار المكذبين نقمة.
اللهم من علينا برحمتك العظمى، واحمل عنا الأثقال، ويسر لهذه الأمة من الرّجال من يفتح للجهاد ألف باب لا كَإِبَرِ المكذبين”.
ونختم بقول الأستاذ المرشد:

وا أسفي على زمن مضى***حَسرتَا فرَّطتُ! والعُمرُ طارْ
بالَّله ضُمُّوني لجَمْعِكُمُ***أهلَ الصَّفا فما لنا منْ قرارْ
تُبتُ لِرَبّي فأنا ضارِ***إليه يرحمُ دموعي الغزَارْ