1- الإسراء والمعراج دروس وعبر

كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله “رسالة تذكير” ليلة الجمعة،27 رجب 1415ه، التي جاءت قدرا مع ذكرى الإسراء والمعراج (أكتب هذه الصفحات ليلة الجمعة المطابقة لذكرى الإسراء والمعراج، ليلة منورة بما هي جمعة، مباركة بما هي ذكرى معجزة ناجى فيها الحبيب حبيبه وجلى فيها المولى الكريم سبحانه عنايته برسوله رحمة العالمين. صلى الله عليه وسلم) 1. ثم بعدها يشير الإمام ياسين رحمه الله إلى ما لاقى الرسول صلى الله عليه وسلم من محن، وصبره على الأذى في سبيل دعوة الله عز وجل. فكان صلى الله عليه وسلم دائم اللجوء إلى الله عز وجل في السراء والضراء، في المحنة والمنحة، وهو ما تجلى في دعاء الطائف المشهور. (كان صلى الله عليه وسلم، بعد رجوعه من الطائف وما لاقى من عنت وشدة على يد المشركين، ولا ولي إلا الله ولا ناصر بعد موت أبي طالب ووفاة أمنا خديجة رضي الله عنها، أحوج الناس إلى رحمة من الله تجدد اليقين، وتثبت الأقدام، وتدفع لجهاد مستأنف. فكانت المعجزة السماوية والرحلة الخارقة بلسم الرحمة وباعث اليقين) 2. والصبرُ على الأذى، والثبات في ساحة الدعوة، واليقين في موعود الله عز وجل هو سبيل الفتح والنصر ببركة الصحبة في الله.

وبعدها ينتقل الإمام رحمه الله إلى تذكير العاملين في حقل الدعوة، والمسلمين عامة، إذ يقول: (ولنحن المستضعفين في الأرض، تألبت علينا قوى الجاهلية من خارج متآزرة مع أنظمة الفتنة من داخل، أحوج إلى تجديد إيماننا بما يتجدد به الإيمان من صحبة في الله وذكر الله وإخلاص وصدق في اتباع سنة رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله) 3. (استقامتنا على الهدي النبوي وسيرنا على المنهاج النبوي هي الكرامة يفيضها الله سبحانه على قلوب العباد الصادقين. وتلك هي عبرة الذكرى وأسوتها) 4. استقامة وهمة وعزم وإرادة وسير على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الكرامة الكبرى.

 2- غاية الجماعة وأهدافها 

يذكر الإمام المجدد رحمه الله في “رسالة تذكير”، الكتيب النفيس الذي يلتمس فيه بركات ذكرى الإسراء والمعراج، مسؤولي الجماعة وأعضاءها على حد سواء بما ينبغي تحيينُ التنبيه إليه دائما من أصولنا المنهاجية، وثوابتنا السلوكية، ومرجعياتنا الأساسية، ومقاصدنا السامية. ويذكر الإمام رحمه الله أيضا الواردين الجدد على مدرسته (إلى إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان مذكرة لمن ينسى، وتبصرة للوافد والوافدة اللذين لما ينكشف لهما من أمرنا ما تكنه القلوب وتنطوي عليه الجوانح) 5 وكافة أهل الإسلام والغيرة على الدين (إلى إخوتي في الله من أهل الإسلام والغيرة على الدين رسالة مبادءة ودعوة وشرح يشرحه الله عز وجل لما في الصدور) 6

(جماعة العدل والإحسان حزب سياسي أم تناوم ودروشة؟) 7.

سؤال هو إشارة إلى ما عاشته وتعيشه الأمة من “الفصام النكد” كما سماه سيد قطب رحمه الله، بين قضية العدل بمفهومه الجامع الذي يشمل الدنيا والآخرة، ويشمل حقوق الله وحقوق العباد، وبين قضية الإحسان بمعناه الشامل، وبمعانيه الثلاثة التي ذكرها الإمام رحمه الله من الإحسان العبادي والمعاملاتي والعملي  (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسن عملك، الإحسان أن تجيد وتفيد) 8. وهنا يركز الإمام المجدد رحمه الله على هذا الربط الوثيق بين الخلاص الفردي، مصير الإنسان الفردي عند الله عز وجل، وبين الخلاص الجماعي الذي غايته إقامة العدل في الأرض ومصير أمته التاريخي. ويزيد الإمام رحمه الله مؤكدا أن العدل والإحسان هما هدف الجماعة (لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان) 9. والإمام المجدد رحمه الله لا يفصل العدل عن الإحسان إذ الشريعة جاءت آمرة بهما، وأجمع آية في الذكر الحكيم إن الله يأمر بالعدل والإحسان 10.  وجاء في وصيته قبل رحيله إلى جوار ربه (أوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لبلوغ مراتب الإحسان) 11.

3- الخصال العشر معالم في الطريق

(للإسلام صوى وطريق لها معالم، والحديث عن شعب الإيمان يصور الإيمان وحركة المؤمنين في سيرهم إلى الله نهرا له شعب وروافد) 12. والخصال العشر هي صوى الطريق، ومناراته، وعلاماته، إذ هي تجميع كل شعب الإيمان. وقد كتب كثير من العلماء في شعب الإيمان كالإمام أبي عبد الله الحليمي والإمام البيهقي وغيرهم، وجمعوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم مقاصدهم في ذلك. وجدد الإمام المجدد عبد السلام ياسين في شعب الإيمان، رجل همه هم إيماني إحساني، فأراد أن يدل هذا الإنسان الوافد على مدرسته على ما يفيده في ترقي مراتب الدين من خلال تطبيق مجموع شعب الإيمان، حيث أحصى رحمه الله سبعا وسبعين شعبة من شعب الإيمان، وصنفها إلى عشر مجموعات سلوكية تطبيقية سماها الخصال العشر، وكل خصلة تضم مجموعة من الشعب، وعليها يتربى المؤمن والمؤمنة ويتحلى بها في سلوكه إلى الله عز وجل، (الصحبة والجماعة، الذكر، الصدق، البذل، العلم، العمل، التؤدة، السمت الحسن، الاقتصاد، الجهاد) 13. يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي: (أتينا بالترتيب فقط لمقاصد تربوية تنظيمية، فهي سياسة شرعية لا غبار عليها) 14. روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وسبعون -عند البخاري بضع وستون- شعبة (زاد مسلم): أعلاها قول لا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) 15. قال الإمام المجدد رحمه الله: (هذا الحديث يضع أقدامنا على منطلق الجادة، ويضع لنا صوى ثلاثة من معالم في الطريق، ثم يحصر لنا عددها في بضع وسبعين) 16. وجميع شعب الإيمان يحتاجها المؤمن في علاقته بربه وبالناس وبأمته.

4- خاتمة 

رسالة تذكير هي رسالة تعرف لنا بعضا من فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين، ومن مشروع جماعة العدل والإحسان الذي يقوم على الجمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، فالعدل والإحسان متلازمان، وثنائية لا يمكن فصلها. وختمت الرسالة بيوم المؤمن وليلته، وهو البرنامج التربوي اليومي للمؤمن والمؤمنة الذي اقترحه الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله على أعضاء مدرسة العدل والإحسان الذي يسلك طريق الترقي الإيماني الإحساني.


[1] رسالة تذكير، عبد السلام ياسين، ص 4.
[2] نفسه، ص 5.
[3] نفسه، ص 6.
[4] نفسه.
[5] نفسه، ص 4.
[6] نفسه، ص 4.
[7] نفسه ص 7.
[8] نفسه، ص 9.
[9] نفسه، ص 8.
[10] سورة النحل، الآية 90.
[11] وصيتي، للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ص 18.
[12] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ص 120.
[13] الخصال العشر، الإسلام غدا، عبد السلام ياسين، ص 43.
[14] المنهاج النبوي، ص 40.
[15] رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[16] المنهاج النبوي، ص 119.