حلقة جديدية من برنامج تأملات في آيات مع الدكتور عمر الصوصي، تتناول تفسير آيات من سورة الكهف: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفا.

يعلق الدكتور الصوصي على هذه الآية فيقول:

باخع نفسك: أي قاتلها ومهلكها.

بهذا الحديث: أي بالقرآن الكريم.

أسفا: حزنا ووجدا.

ويضيف:

والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم من فرط شفقته على قومه كاد يهلك حزنا وأسى لما ولوا أدبارهم وتنكبوا عن الطريق الحق. وهذا غاية الرحمة والشفقة على الأمة وكمال القيام بأداء حقوق الرسالة والإقدام على العبودية فوق الطاقة. وإجمالا يمكن أن نجني من هذه الآية ما يأتي:

أولا: حد الاجتهاد وبذل الوسع؛ فقد يسأل أحدهم ترى هل أديت وظيفتي على أحسن وجه؟ هل أنا مقصر في مهمتي؟ فيكون الجواب منه صلى الله عليه وسلم سلوكا نتأسى به، فقد كان من دأبه أن يبالغ في القيام بأمر ربه إلى حد أن يُنهى عنه. كما أنه صلى الله عليه وسلم حين أُمر بالإنفاق بالغ فيه، إلى أن أعطى قميصه وقعد في البيت عريانا، فنهي عن ذلك بقوله تعالى: ولا تبسط كل البسط فتقعد ملوما محسورا. وفي العبادة يصلي حتى انتفخت قدماه الشريفتان. فيكون الضرر إذن هو متاخمة الضرر دون بلوغه.

ثانيا: إذا استفرغت وسعك فكل الأمر لله تعالى، ولا تحزن إذا كانت النتائج غير مرضية، فمن الناس مثلا من يحزن على ولده إلى حد المرض إذا وجد منه ميلا عن الاستقامة، وبعضهم يحسد الناس إذا تفوق أولاده على أولاده وربما يكيد لهم. وقد حكى الروائي المغربي الملقب بياسمينة خضرا قصة امرأة انتحرت فقط لأن زميلتها في العمل حصلت على امتياز دونها.  

ثالثا: الشفقة على خلق الله والرحمة بهم، من لوازم محبة الله ونتائجه.

اعلم أعزك الله أنه لما كان صلى الله عليه وسلم حبيب الله، فمن لوازم محبوبيته محبته لله لقوله تعالى: يحبهم ويحبونه. وكلما كانت محبته للحق أقوى كانت رحمته وشفقته بالخلق أكثر لكون الشفقة عليهم ظل محبته لله، اشتد تعطفه عليهم، فإنهم كأولاده وأقاربه، بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي. فلذلك بالغ في التأسف عليهم حتى كاد يهلك نفسه صلى الله عليه وآله ورزقنا محبته ومحبة المومنين والرحمة بهم والشفقة عليهم والحمد لله رب العالمين.