لم يبق مواطن مغربي بهذا البلد الحبيب إلا وقد سمع وتابع قضية طلبة الحي الجامعي بالجديدة، الذين اتهموا بتهم جنائية تضمنت (الاحتجاز، السرقة…)، ولم يبق طالب بربوع الجامعات المغربية لم يهتف مطالبا بإطلاق سراحهم. أما عائلاتهم فقد علقوا أملا أكبر على نضالات الجماهير الطلابية في جميع أنحاء المغرب وبالخصوص جامعة شعيب الدكالي، وخاب أملهم في قضاء جعل من أبنائهم مجرمين في زنزانة الاتهام. فصرخت أم المعتقل بحرقة وألم شديدين في الليلة المشؤومة بعدما نطق القاضي بما لم تتوقعه حتى هيئة الدفاع المكونة من أزيد من خمسين 50 محاميا بثلاث سنوات: “خَرّْجُوا لِيَا وَلْدِي”، وكان الخطاب موجها إلى الفئة الطلابية وكان للصرخة معاني كبيرة… 

وبعد أزيد من ثلاث محاكمات ماراطونية وتقديم الدفوعات أمام المحكمة من قبل المحامين، ونفي المعتقلين لجميع التهم، واتضاح براءة الطلبة بالدليل الجلي القاطع، تشبثت المحكمة بقرارها وقضت بعشرة أشهر سجنا في حقهم. 

ماذا خسرت الدولة من محاكمة طلاب أبرياء: 

 من خلال تفاصيل وسيناريوهات القضية يتضح أن محاكمة الطلبة واعتقالهم كانت ضمن سلسة من المحاكمات السابقة في مجموعة من الفروع بالمغرب وهذا ليس غريبا على الواقع الجامعي الذي لايزال يعاني من ازمة خانقة على المستوى الخاص والعام مما يجعله دائم الحراك والاحتجاج، ومما يزيد الأمر تأزما هو مواجهة الدولة هذا الاحتجاج بإخماده بالقمع والاعتقال. 

أما ملف طلبة الجديدة فهو أكبر تجسيد لهذه الصورة، ناضلوا من أجل مطعم جامعي فتحولت القضية إلى معتقلين متهمين بالإجرام، وتحول النضال من المطالبة بمطعم إلى المطالبة بإطلاق سراح معتقلين… ومما هدفت الدولة تكريسه هو أن تجعل من محاكمة الطالب أمرا بديهيا مستساغا لدى عامة الطلبة وعموم الشعب، ومثوله أمام القضاء (كمجرم) أمرا عاديا، واستهداف الوسط الجامعي كان متعمدا وخاصة أن النضالات توالت في وسط الحي الجامعي الذي اعتبرته الدولة خطا أحمرا وحرصت على التحكم فيه.

وهكذا تحاول الدولة تكريس فكرة أن النضال الجماهيري السلمي للمطالبة بمطالب مشروعة إجرام يجعل الطالب يتخوف منه ويبتعد عنه. ونعلم ما لهذا من تأثير على الآباء والأمهات الذين قد يضغطون على أبناءهم من أجل عدم المشاركة في النضالات خوفا عليهم بوازع عاطفي.

ماذا استفادت الجامعة من اعتقال أبناءها الأبرياء: 

الذي لم تلق له الدولة بالا وكانت مشيئة الله فيه هي الأقوى هو أن يعتقل أربعة طلبة أيتام معروفين في الوسط الطلابي بنضالهم وأخلاقهم العالية، مما جعل التعاطف الشعبي خارج الجامعة وداخلها كبيرا ورفع من وتيرة الاستنكار أمام محاكمة الطلبة الأبرياء… وكان هذا أكبر دليل على شرعية مطالبتهم بمطعم جامعي، وكان الأولى للإدارة والدولة أن تستجيب لمطالبهم وأن ترأف بأيتام وتحتضنهم وتراعي وضعهم الاجتماعي… لكن كان العكس بأن حكمت عليهم بثلاث سنوات دون رأفة أو شفقة.

أما عن الجانب العدلي القضائي فإننا أصبحنا أمام بنايات الدولة المفرغة من محتواها الروحي القانوني، فقد سقطت ادعاءات الديمقراطية والعدالة حينما تجاهلت الدولة كل الأدلة الدالة على براءة الطلبة وبطلان الاتهامات وتناقض الشهود، بل رفضت حتى قبول طلب السراح المؤقت مع وجود كل الضمانات. وعوض أن تجرم الدولة العمل النضالي وترسخ هذا وسط الطلبة فقد أقنعتهم أنه لا قضاء ولا عدل في بلدنا ولا قوانين تضمن الحرية والكرامة. وأكبر ما ربحت الجامعة عموما وجامعة شعيب الدكالي بالجديدة خصوصا أن هذا الاعتقال لم يزد الجسم الطلابي إلا وحدة وأخوة وتشبثا بمطالبه المشروعة، بل وأكبر رسالة وجهتها الجامعة للدولة أن المسؤولية والوعي الطلابي لا يزال حاضرا وبقوة عند طلاب المغرب، وأن سياسات الدولة في تخريب التعليم والطالب باءت بالفشل؛ فقد شكل ملف اعتقال طلبة الجديدة دماء جديدة ضخت في شرايين الحركة الطلابية وأعادت إلى الجامعة والطالب مكانته وكرامته التي حاولت الدولة ضربهما. وقد تجسد هذا في الأشكال النضالية المسؤولة السلمية الراقية التي خاضتها الجماهير الطلابية بفرع الجديدة.

أرادت الدولة ولكن إرادة الله فوق كل شيء. وسعت الدولة إلى اعتقال مناضلين أبرياء وإخماد الاحتجاجات لكنها أتاحت فرصة ليتخرج العشرات من المناضلين وتشتعل احتجاجات قوية سلمية ومسؤولة.