يتابع الأستاذ عبد الكريم العلمي في الحلقة الخامسة والعشرين من مجالس الإحسان قراءته في كتاب السلوك الجهادي الجماعي، كتاب التربية الإحسانية على المنهاج النبوي، كتاب: “الإحسان”، للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.

تتناول هذه الحلقة المبحث الخامس: “شفاء السائل” من الفصل الثالث من الكتاب “الصحبة والجماعة”.

يفتتح الإمام المجدد هذا المبحث بالدعاء:

بسم الله الرحمن الرحيم. رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. “اللهم أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي”.

العنوان، كما يقول الأستاذ العلمي، مأخوذ من رسالة “شِفاء السائل لتهذيب المسائل” للمؤرخ الكبير أحد العقول الكبيرة في البشرية جمعاء وهو ابن خلدون. وهو كما يقرر الإمام لم يكن معروفا أنه من أصحاب الفن (التصوف) ولكن له قدر مشترك مع الصوفية وله اطلاع وله اهتمام.

يقول الإمام المجدد رحمه الله:

“تدورُ هذه الرسالة حول سؤال ورد على الفقيه المؤرخ المقرَّب في بلاط فاس في موضوع كان ولا يزال مَثاراً للخلاف. قال: “وقَّفني بعض الإخوان أبقاهم الله على تقييد (أي كتاب) وصل من عَدْوة الأندلس وطن الرباط والجهاد، ومأوى الصالحين والزُّهاد، والفقهاء والعُبَّاد، يخاطب بعض الأَعلام من أهل مدينة فاس، حيث الملُكُ يَزْأرُ، وبِحار العلم والدين تزْخَر، وثواب الله يُعَدُّ لأنصار دين الله ويُذْخَرُ. طالبا كشف الغِطا في طريق الصوفية، أهلِ التحقيق في التوحيد الذوقيّ والمعرفة الوِجْدانيَّة، هل يصح سلوكه والوصول به إلى المعرفة الذوقية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني تعلُّماً من الكتب الموضوعة لأهله، واقتداءً بأقوالهم الشارحة الوافية بشروط البِداية والنهاية، كالإحياء (للغزالي) والرِّعاية (كتاب للحارث المحاسبي) أم لابد من شيخ يتبين دلائِلَهُ، ويَحذرُ غَوائِلَهُ، ويُميِّز للمريد عند اشْتِباه الواردات والأحوال مسائلَه، فيتنزل منزلةَ الطبيب للمرضى، والإمام العادل للأمة الفوضى”.

إذن السؤال له شقان:

هل الكتب تفي بغرض الوصول إلى الله تعالى؟

أم أنه لا بد من شيخ ودال على الله؟

يقول الإمام المجدد:

“هذا هو السؤال: ما موقع الكتب وفائدتها ومردوديتها في السلوك القلبي؟ وهل لابد من شيخ يُسلِّمه المريد زِمامَه كما تستسلم “الأمة الفوضى” للإمام العادل، وكما يستسلم المريض للطبيب؟

ويبدأ فقيهنا الحكيم العبقري الجواب بالإشارة إلى تميّز الطائفة عن سائر علماء الإسلام بعد عهد أتباع التابعين قائلا: “ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، وفشا الميل عن الجادَّة، والخروجُ عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها وأقبل الجَمُّ الغَفيرُ على صلاح الأعمال البدنيَّة والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه. وشُغِل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة حسبما طالبهم بذلك منصبُ الفُتْيَا وهدايةِ الجمهور. فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعُبّاد وطُلاب الآخرة، منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد (في الحديث). ثم طرقت آفة البِدَع في المعتقدات، وتداعى العُبّاد إلى مذاهبَ شتى، هذا معتزلي ورافضي وخارجي، لا ينفعهم شيء من أعمالهم الظاهرة والباطنة مع فساد المُعْتَقَد الذي هو رأسُ الأمر. فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسُموا بالصوفية”.

ويَخلُص عالمنا الفحل إلى صُلْب الموضوع فيحدد أهداف التصوف في ثلاث مجاهدات: “مجاهدة التقوى وهي رعاية الأدب مع الله في الظاهر والباطن بالوقوف عند حدوده مراقباً أحوالَ الباطن، طالبا النجاة، وإنه التصوفُ عند الصدر الأول منهم. ثم مجاهدة الاستقامة وهي تقويم النفس وحملُها على الصراط المستقيم حتى تصير لها آداب القرآن والنبوءة، بالرياضة والتهذيب، خُلُقاً جِبِلِيَّةً، طالبا مراتب الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم مجاهدة الكشف والاطلاع، وهي إخماد القُوى البشرية كلِّها حتى الأفكارَ، متوجهاً بكلية تعقله إلى مطالعة الحضرة الربانية،طالبا رفع الحجاب، ومشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا، ليكون ذلك وسيلة إلى الفوز بالنظر إلى وجه الله في حياته الأخرى التي هي غاية مراتب السعداء”.

يبين بعد ذلك أن مجاهدة الاطلاع والكشف، تنبني على المجاهدتين الأوليَيْن وأن همة المريد تقفُ به عند حدود الطلب. ثم يخلص إلى سؤال ضرورة الشيخ:

يقول الإمام المجدد:                                                                                                                  

“فإذن يتأكد طلب الشيخ في حق صاحب هذه المجاهدة، والاقتداء فيها بسالكها المطلع على عللها (…). قال: “وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبُها رفع الحجاب والاطلاعُ على العالَم الروحاني وملكوتِ السماوات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يُعبَّر عنه بالشيخ، افتقار وجوبٍ واضطرارٍ، لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولُها بدونه”.

ثم يضيف الإمام المجدد:

“ويحاور عالمنا الجليلُ الحكيمُ طائفة الأخباريِّين العاكفين على الكتب، قال: “فقال لهم (المدافع عن ضرورة الشيخ): لِمَ اعتمدتم على الكتب وتركتم الاعتماد على شيوخ الطريقة، والقوم إنما اعتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب؟ فقالوا: أصل السلوك إنما هو بالكتاب والسنة وما نشأ عنهما. وها هي بأيدينا مسطورة، وناقلوها منتصبون لتعليمها. وشيوخُ هذه الطريقة من جُملتهم. فما الذي يمنع من السلوك دونَهم؟ فقال لهم: إن كان مجرُد النّقْل كافياً في حصول هذا المقصود أو غيرِه فليسْتَوِ في جميع أنواع العلوم والصنائع من حَفِظَ وصفَها ولم يُعانِهَا مع مَن عاناها بالفعل، ودخل فيها حالاً واتِّصافا”.

قال مستخْلصاً: والحق أنه لابد للسالك من الشيخ، ولا يُفضي به النقل وحده إلى مطلوبه، لا مِنْ أجل التفاوت في التحصيلين (أي في كون الشيخ أوسع اطلاعا على الكتب وأحفظَ للنّصوص)، بل من أجل أنّ مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المُتعارَف من العلوم الكسبيَّة والصنائع، وإنما هي مداركُ وجدانيَّةٌ إلهاميّة خارجةٌ عن الاختيار في الغالب، ناشئةٌ عن الأعمال، على هيئات مخصوصة. فلا يدركُ تمييزُها بالمعارف الكسبية، بل يحتاج إلى الشيخ الذي يميزُها بالعِيان والشِّفاه (أي المشافهة)، ويعلم هيآت الأعمال التي تنشأ عنها وخصوصياتِ أحوالِها”.

ثم يعلق الإمام المجدد رحمه الله بشيء من المرارة والإشفاق:

“كيف تُفهم هؤلاء الفضلاء أن الله عز وجل موجودٌ، وأنه يُحِب ويُحَب، وأن مناديَه في السماء والأرض ينادي : إن الله يحب فلانا من عباده فأحبوه، وأن العبد المتقرب إلى الله بالفرض والنفل يأتي وقت يحبُّه الله فيفعلُ به جل وعلا ما قرأناه في الحديث العظيم الذي توقف فيه الذهبي حيرةً وتردداً، وأن علماء فطاحل من هذه الأمة جَثَوْا على الرُّكب طيلةَ هذه القرون أمام الأولياء مشايخ الطريق يلتمسون بركتهم وتوجيههم وتسليكهم وتوصيلهم إلى الله عز وجل؟ من يُفهم هؤلاء الفضلاء أنَّ وأنّ وأنّ؟”.

ويضيف رحمه الله:

“رُبَما يزعم زاعم من النُّفاة المكفرين الجاهلين، أو يجادل فاضل من المشتغلين عن طلب الله، أن ما تُسمونه سلوكا وطريقة وشيخا وتصوّفا أمور لم يأذن بها الله ولا أوجبها بمقتضى الشرع. لمثل هؤلاء يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئا يُسمّى مصحفا، ولا كتباً، ولا فقها، ولا أصولا، ولا دواوين للحديث، ولا مدرسة، ولا نحوا، ولا صرفا، ولا علوما تخصصية، ولا، ولا، ولا. ويتقابل نفي مع نفي، ورفض مع رفض. وما أنت بمُسمع من في القبور”.

ويختم الإمام بهذه اللطيفة من كلام ابن القيم قائلا:

“وتعال قف بالباب مع الأحباب الذين نصحوك، قف بباب روح المصطفى صلى الله عليه وسلم عسى نفحةُ رضىً تهب على قلبك. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر ما رواه البخاري من اهتزاز عرش الرحمان لموت سعد بن معاذ: “إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه (صلى الله عليه وسلم) فرحا واستبشارا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح سيد الخلائق! فيا منتسباً إلى غير هذا الجناب، ويا واقفا بغير هذا الباب، ستعلم يوم الحشر أيَّ سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر”.

ونختار مما أورده الإمام من أبيات في هذه المعاني اللطيفة:

ما خُنْتُ عهدا للوداد أحبَّتي!***وَتَلَقَّفَتْنِي بعْدَكُمْ أتْرَاحِيزلَّت بِيَ الأقدامُ مُذ فارقتُكمْ***والنَّفسُ منِّي مُزِّقتْ بجراحِلِله أيامُ الصفاء تبدَّدَتْ***فمَتى تعُود بِطِيبَتي أفراحِي؟