السيرة النبوية كلها دروس وعبر نستمد منها تربية نورانية تسري عبر الأجيال رغم اختلاف الأماكن والأزمان. تربية تترسخ في القلوب بخيط ناظم هو محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم جذوة تبقى مشتعلة في القلوب بالصلاة والسلام على خير الورى ترديدا باللسان في كل آن وحين واتباعا لسنته الشريفة.

ونحن نعيش في كنف ذكرى الإسراء والمعراج وما أكرم به المولى نبيه الكريم من اختلاس لحظة عبور من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، حدث لا يمكن أن يقال عنه إلا أنه معجزة تخرج عن نطاق العقل البشري الذي يبقى محدودا ولا يستوعبها إلا قلب مؤمن بأن هناك غيب، ولا يسمى مؤمنا من لم يؤمن بذلك لذلك يعرف الإيمان بأنه إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وكل ذلك غيب لا سلطة للعقل في سبر غور حقيقته، نستحضر بهذه المناسبة موقف سيدنا أبا بكر الصديق والذي ما نال مقام الصديقية إلا بتصديقه المطلق بدون قيد ولا شرط بالواقعة، حيث اعترض سبيله قومه من مشركي قريش وأخبروه بما أخبرهم المصطفى صلوات الله عليه وسلامه عن مسراه إلى بيت المقدس ومعراجه إلى السماوات العلى ظنا منهم أن الصديق سيكذب ذلك، ولكنه رضي الله كان من الحكمة والإدراك الواعي بأن ما الإيمان إلا تصديق بالغيب، وهنا كان جوابه الثاقب على سؤالهم الاستنكاري “هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس”. حيث قال: “أوقال ذلك؟” قالوا: “نعم” فقال: “لئن كان قال ذلك لقد صدق” قالوا: “أوتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟” قال: “نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة”، وفي هذا المقطع الأخير من الحوار تتجلى لنا حكمة الصديق رضي الله عنه وباعه العميق في استعمال العقل عقل يستنبط الحكمة ليدلك على الله ثم يقف معترفا بمحدوديته وليس عقلا متألها يأبى إلا أن يكون سلطانا مطلقا رافضا لكل ما يتجاوز حده.

طالع أيضا  في ذِكْرى الإسراء والمعراج