يستأنف الأستاذ محمد العربي أبو حزم حلقاته في سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله فيقول:

تمخض الربع الأول من القرن العشرين، عن تغيير غيـر مسبوق في خريطة الأمم والدول، وعلى انقلاب كبير في موازين قُوَاها وأوضاعها… حرب عالمية أولى مدمرة، وثورة أسقطت الإمبراطورية الروسية، ووعد بلفور المشؤوم، وتفاهم “سايكس-بيكو”، وسقوط الدولة العثمانية.

أما في المغرب فلم يَشِذَّ الأمر عن الحال في المشرق، إذ فرض عليه الفرنسيون لونا جديدا من الاحتلال سموه “حماية”.

مشهد يلخص منتهـى دركات الضعف والانكسار والغثائية التـي هوت إليها الأمة، فسهّلت على أعدائها مهمة الاستفراد بأطرافها وابتلاعها. في هذا السياق التاريخي الحرج، استقر بمراكش، من بين من استقر بها، محمد الحاحي بن سلاَّم، المنحدر من قبيلة “أَيْتْ زَلْطْنْ” الأمازيغية بحاحا، وسَلِيلُ أسرة عريقة تدعى “أَيْتْ بِهِي”. أصل أسرة “أيت بيهي” هذه من بلدة “أَوْلُوزْ” بسوس، جنوب المغرب، ويرجع نسبها إلى مؤسس الدولة الإدريسية، المولى إدريس الأول، والذي ينتهي نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. اشتهر من أسرة “أيت بِهي” هذه، القائد “عبد الله ولد بِهي”، الذي كانت له الرئاسة على قبائل “حاحا”، تحت ظل الدولة العلوية، فقتله السلطان العلوي “محمد بن عبد الرحمن” بتهمة “محاولة تأسيس دويلة في الجنوب”.

غير أن هذا الظلم والعُتُوُّ لازم هذه الأسرة حتى زمان محمد الحاحي. ذلك أن حاكم القبيلة كان ينوي تصفيته، ولكن صديقا له مقربا من هذا الحاكم نصحه أن يفر من بلده حفظا لحياته.

انتظم محمد الحاحي في الجيش الفرنسي، وشارك في صفوفه في الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهائها عاد إلى المغرب واستقر بمراكش، وعمل ببلدية المدينة. تزوج الرجل إحدى بنات عمومته: “رقية بنت احْماد”، وسكنا بحي “باب دكالة”، ورُزقا بمولودة ما لبثت أن فارقت الحياة. وفي صباح الاثنين رابع ربيعٍ الآخِر من عام ألف وثلاثمائة وسبعة وأربعين للهجرة، الموافق لـسابع عشر شتنبر عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين، ولد للزوجين ابنهما عبد السلام.

كيف كانت نشأة الطفل عبد السلام؟

وما كانت طبيعة مساره الدراسي الأولي؟

وما هي العقبات التي عانى منها في طفولته؟

وكيف حظي بتكوين دراسي كان يشرف عليه أحد أعلام المغرب الكبار؟

أسئلة أجوبتها في الحلقة التالية إن شاء الله.