في سياق حملة “باركا من الحكرة” التي أطلقتها شبيبة جماعة العدل والإحسان، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ رشيد بوقسيم عضو المكتب القطري للشبيبة، ركز على مسألة القيم وتأثيرها في تربية الشباب وتوجيههم، ودور الدين في تنشئة الشباب على الخير والسلوك القويم والفعل الإيجابي وخدمة المجتمع.

1- تلعب القيم دورا أساسيا في توجيه الشباب نحو وجهة معينة. ما طبيعة القيم والتنشئة التي ترون أن على الشباب المغربي أن يتربى عليها؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.

تعرف القيم لغة أنها جمع قيمة وهي الشيء الثمين والنفيس وكذا هي الأمر الوازن. وفي الاصطلاح هي مجموع القناعات والمبادئ والأخلاق والتي يمكن ترجمتها إلى سلوكات وتصرفات سواء كانت قيما حميدة مقبولة أو ذميمة مرفوضة.

والقيم في ديننا الإسلامي الحنيف هي مجموع الأخلاق والمعاملات الحسنة والمنبعثة من إيمان الفرد المسلم بالله تعالى المتفرد بالعبادة وبرسوله صلى الله عليه وسلم قدوة عظمى وبكتاب الله دستور أخلاق ومعاملة.

بطبيعة الحال، هذه القيم هي المتغير الحاسم في معادلة مصيرية في حياة الفرد المسلم. وبما أن الشباب هم عماد المجتمع وأساس بنائه ورهان ازدهاره ورقيه، فإن كل فاعل في المجتمع يسعى لزرع قيم معينة ستترجم بعد حين إلى سلوكات وقناعات وقرارات بل إلى واقع معين. هذا الفاعل إن كان يرمي من فعله نفع المجتمع وتغييره نحو الأفضل فإنه يسعى جاهدا إلى زرع القيم الحميدة في نفوس الشباب تربية وتعليما، سلوكا وقدوة ومناهج. وإن كان يبغي من فعله طمس ضر المجتمع والدفع به لمهاوي الجهل والفقر والفساد زرع قيم اليأس والأنانية والبغض والكراهية وغيرها من القيم الذميمة.

في هذا السياق، نرى في شبيبة العدل والإحسان أن الشباب المغربي يجب أن ينشأ أولا على القيم الأخلاقية كالصدق والأمانة والوفاء بالعهد وحب الخير للغير والايثار، ثم على القيم الاجتماعية  كحب الوطن وخدمة الناس وبذل الجهد لنفع الغير، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية.

2- في المجتمع شباب مقبل على المساجد ملتزم بالأخلاق الفضيلة، وآخرون اختطفهم الانحراف الأخلاقي… ما سبب هذه الازدواجية التي يسلكها شباب؟

المتتبع لواقعنا يجد أن الشباب صنفان اثنان: الأول كما قلتم مقبل على دين الله تعالى فاعل في المجتمع، ملء روحه الأمل والاستبشار بالمستقبل الزاهر، متفائل يبذل من وقته وجهده لنفع الوطن وأبنائه، أما الثاني فقد ضلت به السبل عن جادة الطريق، فانساق إلى مهاوي الإدمان والجريمة وفقدان الأمل في الحياة الكريمة والخوف من المستقبل الذي أظلم في عينيه، هذان الصنفان اللذان ذكرت هما نتاج التربية والتعليم والبيئة المحيطة.

أما التربية فهي الأساس وقطب الرحى؛ روى البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، هذه الفطرة إن أحسنا رعايتها فقد حافظنا على جوهرها الذي خلقت عليه دون تغيير ولا تبديل، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30]، وإن نحن أهملنا هذا الدور أو تركنا الشاب عرضة لـ”تربيات” مغايرة للفطرة فقد خططنا مسبقا لفشل الفرد ودمار المجتمع.

وأما التعليم فهو الفاعل الثاني بعد التربية؛ حيث ينبغي أن يقوّم سلوك الشاب واليافع والطفل، في حجرات الدراسة نظريا وفي الحياة اليومية خارج أسوار المؤسسات التعليمية، بالقدوة الحسنة والإعلام الهادف ومؤسسات المجتمع المدني التي تشتغل كمنظومة واحدة متجانسة لتخرج شابا رجلا مواطنا صالحا لذاته ولبلده ومجتمعه. وإن ترك حبله على غاربه وترك هذا الشاب وحيدا وبدون حصانة في مواجهة تيارات التمييع ومهرجانات العري وإعلام السفه والعبث بالقيم والمبادئ فلن ننتظر سوى ما خطط له ودبر لا قدر الله.

والعامل الثالث وهو البيئة المحيطة بالشاب؛ وأقصد خصوصا صحبة يستقي منها القيم علما ومعرفة، ويتعلم ممارستها، لتحول علمه إلى سلوك وممارسة عملية. روى البخاري ومسلم عن سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالحُ والجليسُ السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة).

وبالطبع لا ننسى أن هذه الازدواجية في طبيعة السلوك والقيم والمسارات التربوية والأخلاقية التي ينتهجها الشباب، ترجع في جزء كبير منها إلى طبيعة البرامج والسياسات العامة التي تنهجها الدولة والسلطات الحاكمة، والتي تعلي من شأن الانحلال والانحراف وتمكن له بكل السبل مقابل التضييق على منابع الأخلاق والفضيلة والمعرفة.

3- ما الدور الذي يلعبه الدين في بث الروح الإيجابية في الشباب وزرع قيم النجاح والتفوق ومبادئ الأخلاق والسلوك القويم؟

إن نسبة أي تشريع أرضي إلى شرع الله كنسبة الخلق جميعا إلى الخالق سبحانه وتعالى.

أرسل الله جل وعلا الأنبياء قدوة لأقوامهم، فربوا الناس وعلموهم القيم الفاضلة والأخلاق الرفيعة والسلوك القويم الذي به النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة. 

لذا فإن دين الله سبحانه وتعالى والتشبث به خاصة في زمننا زمن الفتنة والبعد عن الله، زمن اختلاط الحق بالباطل، زمن انتشار قيم الانحلال والانحراف وأنواع الأمراض المجتمعية المختلفة والتطبع معها صباح مساء، هو الضامن لبعث روح الأمل في الشباب بدل اليأس والقنوط، وغرس الروح الإيجابية في نفوسهم، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “وما دام في العمر بقية فتلك فرصة لنشدان الكمال”. الكمال المنشود كمال الرجولة لكل شاب وشابة حتى يكون هو الأمل والقدوة والمثال للآخرين في دينهم ودنياهم وآخرتهم.

كمال يرفعه ويرفعها من دركات الفشل واليأس المقيت ومن ظلمات الجهل والإدمان ودروب الجريمة وسيّئ الأخلاق والبعد عن الله سبحانه وتعالى، إلى نور العلم والاستقامة ومكارم الأخلاق والقرب من الله تعالى ونيل رضاه في الدنيا طاعة وفي الآخرة نعيما وقربا.