من جديد يبدع الشعب الفلسطيني ويرسم في سماء الجهاد أروع الصور، ويؤكد أن في جعبته من الخيارات في معركته المصيرية مع العدو الصهيوني ما تستحيل معه أمنية الصهاينة: “الكبير يموت والصغير ينسى” مجرد سراب يتبدد بسواعد الشعب الذي يقدم رجاله ونساؤه وشبابه وأطفاله للعالم دروس التشبث بالحق في العودة إلى الديار وصدق الانتماء إلى الوطن ودوام الارتباط بالعقيدة.

يؤكد صلاح الدين العوادة، الباحث الفلسطيني، أن “مصطلح العودة مصطلحٌ مخيف في الأدبيات الصهيونية، ومن المحظور ذكره أو التطرق للشعب الفلسطيني المهجر، فكل حديث عن الماضي الفلسطيني قبل 1948 يتناقض جذرياً مع الواقع الصهيوني الذي يرى أن مجرد وجود الفلسطينيين ولو كانوا عُزْلاً هو تهديد”. ويضيف أن “الاحتجاجات تؤشر بشكل واضح على انعدام الشرعية للقوة، وتثير الرعب وتكشف العنف الكامن في جذور القانون الذي يتمثل بالسياج الحدودي، وعليه يصنف مجتازه كمتسلل، وهذه الاحتجاجات تعيد للمتسلل نفسه وصف العائد، وهو الوصف الذي أطلق على المتسللين اليهود القادمين إلى فلسطين فترة الاستيطان كما وصف ذلك الكاتب بنيامين في الخمسينات”.

جاءت فعاليات مسيرة العودة لتنضاف إلى لائحة وسائل مقاومة المحتل وإحياء الذاكرة ليرث الأبناء أمانة استرجاع الأرض المقدسة المباركة. ويصر أصحاب الحق على استمرار هذه المسيرة حيث يؤكد أحمد أبو ارتيمة، أبرز منظري مسيرة العودة الكبرى، أنّ “المسيرة ستبقى مستمرة بفعالياتها السلمية على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، مبيناً أنّ المسيرة حققت نجاحاً منقطع النظير، ولاقت التفافاً شعبياً غير مسبوق”.

صورة مشرقة قال عنها إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ظهر أمس السبت: “إن الزحوف إلى حدود قطاع غزة؛ صورة عز لشعب مقدام شجاع دكت بعنفوانها وسلميتها نظرية الأمن “الإسرائيلية” ونظرية العسكر المستنفر من جنود الاحتلال”.

وقد قدم الفلسطينيون بسخاء كما في كل مرة شهداء وجرحى التحقوا بقافلة الأبطال، حيث أكّد الناطق باسم وزارة الصحة أشرف القدرة أمس السبت، “أنّ 29 شهيداً ارتقوا خلال ثمانية أيام من مسيرة العودة الكبرى السلمية على الحدود الشرقية لقطاع غزة. وأنّ 2850 إصابة خلفتها الاستهدافات الصهيونية المباشرة للمتظاهرين السلميين على طول الحدود الشرقية الفاصلة لقطاع غزة، وأنّ من هذه الإصابات 1296 بالرصاص الحي، والمتفجر، منها 79 إصابة بحالة الخطر”.

وذكر “المركز الفلسطيني للإعلام” أن “كل عمليات القتل التي تمت خلال مسيرة العودة الكبرى، مقصودة وهي عن سبق إصرار وترصد”. رغم ارتدائهم بزات الدالة على مهنة الصحافة، فلم يسلموا من استهداف العدو الصهيوني، بل لعلهم المطلوبون الأول لقناصتهم نظرا لما يشكله الإعلام من عين ناقلة للحدث إلى العالم كله. ولعل ما يثبت القتل المتعمد للمتظاهرين، هو قنص الصحفي ياسر مرتجى برصاصة غدر أطلقها قناص “إسرائيلي”، وأد حلم الشهيد يأخذ صورة لقطاع غزة من الجو، حلم صغير يعبر عن حلمه الأكبر في حرية الأرض برا وبحرا وجوا.