تعتبر الأسرة اللبنة الأساس في البناء المجتمعي، يرتبط صلاحه أو فساده بصلاحها أو فسادها، لذلك اعتنى بها الشرع الحكيم اعتناء فائقا، تجلى في عدد الآيات القرآنية التي عالجت جوانب كثيرة ومتعددة خاصة بتنظيمها، وكذلك في سيرة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم توضيحا وتفصيلا وترجمة عملية.

وإن من معاني لفظ الأسرة معنى القوّة والشدة، يشد أعضاؤها بعضهم بعضا، فيصير البناء مستحكما صلبا. غير أن تقلبات الدهر واختلاف الطبائع وكثرة المسؤوليات، وعوامل أخرى كثيرة لا تنفك عن جبلة الإنسان، قد تصيب هذا البناء بما يضعفه ويوهنه.

في هذه السلسلة سنقف على مجموعة من المحطات التي من شأنها أن تعين الزوجين على المحافظة على حصانة أسرتهما، وإعادة المياه إلى مجراها الطبيعي كلما جار عليها جائر من عوادي الزمان.

في هذه الحلقة من هذه السلسلة نقف عند نعمة الأولاد، إحدى أحلى ثمرات الزواج، بهم تقر عينا الوالدين، ومن أجلهم يكافحان ويتحديان العقبات ويتجرعان مرارة الحياة، وفيهم يريان نفسيهما، وبهما تمتد حياتهما بعد مماتهما، وبحسن تربيتهم يساهمان في تكثير سواد الخير في هذه الأمة، وبدعواتهم الصالحة يربو أجرهما عند ربهما فتتنور صحائفهما يوم الحساب. يربيان ويتعهدان ويسهران ويرقبان ويحضنان ويعلِّمان ويتتبعان لحظة بلحظة ويوما بيوم وشهرا بشهر وعاما بعام… ولا ينتظران منهم أجرا ولا شكورا إلا أن تتحقق فيهم آمالهما. يقول حِطَّانُ بنُ الْمُعَلَّى:

وَإنما أوْلاَدُنَا بَيْنَنا * * * أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلى الأرْضِلَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلى بَعْضِهِمْ * * * لاَمْتَنَعَتْ عَيْني مِنَ الْغَمضِ

الأبناء زينة البيت

يكتمل دين الرجل والمرأة بالزواج، فيؤسسان أركان البيت تحت سقف الشريعة الغراء، غير أنه يحتاج إلى زينة يعمر بها وتشيع أجزاء الفرح والحبور، وما من زينة أحب إلى قلب الزوجين من الأولاد. يقول تعالى: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”.

تقول حنان وهي أم لولد وبنت: “الأولاد نعمة عظيمة رزقنا الله إياها، فهم كما وصفهم الله تعالى “زينة الحياة الدنيا”، ذلك أنهم يضفون على الأجواء في البيت السعادة والحيوية والنشاط، على الرغم من أنني أضجر في بعض الأحيان من كثرة مطالبهم أو من الفوضى التي يحدثونها في البيت وفي مرافقه”. وتضيف مبرزة ما يفيضه الأولاد على البيت من فرحة وسعادة: “أما إذا مرض أحدهم فيصاب البيت كله بالكآبة والانقباض، ولا تعود الفرحة والنشاط إليه حتى تعود إلى المريض منهم عافيته“.

ويؤكد هذا الكلام عبد الرحمن زوجها، العامل البسيط، قائلا: “أعود في المساء إلى البيت منهكا بين العمل ووسائل النقل المتعبة، ولكن حضنا واحدا من ولدي وابنتي كفيل بأن يذهب عن تعب اليوم كله”.

الأبناء لِـحام لَبِنَات البيت

لا يقتصر فضل نعمة الاولاد على الوالدين في كونهم يشيعون أجواء الفرح في الأسرة، بل يتجاوز ذلك إلى دورهم العفوي في ربط الوالدين برباط قوي يزيد من تماسك البناء ومن قوته في مواجهة أعاصير الحياة. وفي هذا يؤكد عبد الرحمن أنه بحسب مشاهداته في المجتمع، “كثيرا ما يكون الأولاد سببا في استبعاد الزوجين لفكرة الطلاق الناتجة عن بعض المشاكل الزوجية، فبسبب خوف الأب والأم من ضياع أبنائهم بسبب الطلاق يستسلمان لما يمليه عليهما حبهما لأولادهم فيتكيفان مع الوضع أول الأمر على مضض ثم يحاولان تجاوز المشاكل حتى لا يبقى ارتباطهما انصياعا لأمر واقع بل اقتناعا بأنه دون مودة ورحمة تتجاوز المشكلات لا يمكن للأولاد أن يكبروا في أجواء تربوية سليمة”.

الأبناء تذكرة الزوجين بفضل الوالدين

يقول السيد عبد الرحمن في تصريحه لموقع الجماعة نت متهمما بما يتحمله هو وزوجه من هموم تربية الأولاد: “الأولاد نعمة عظيمة ولكنها نعمة تستوجب الشكر، وشكرها يتجلى في القيام بواجب التربية على أحسن وجه. والواجبات التي يتحملها الوالدان كثيرة، ليس أهمها توفير الإمكانيات المالية لتغذيتهم ومن أجل نظافتهم وصحتهم الجسمية، أما الواجب الأعظم في نظري فهو واجب التربية والتعليم”.

تربية ليست بالأمر اليسير خاصة فيما يتعلق بالرباط بين الوالدين من جهة وبين أولادهما من جهة ثانية. وقد حدد الإسلام مساحة علاقة الأبناء للآباء وهي مساحة “المعروف”، وحدد أسلوب المعاملة معهما وهو الصحبة بالمعروف وبالإحسان حتى لا يؤثر الاختلاف العارض على علاقة الأبوة، فكثيرا ما يتخذ الأبناء من مواقف من الأبوين في بعض تفاصيل الحياة الأسرية، أو يصل الخلاف إلى ما يعرف بصراع الأجيال، حيث يصعب التفاهم بين جيل الآباء وجيل الأبناء، حتى إذا مرت السنوات، وبحسب ما استنتجناه من تصريح الوالدين لنا فإنه إذا وقف الأبناء حين يكبرون موقف آبائهم شعروا ببعض ما كان يشعر به الوالدان، وذاقوا بعضا مما ذاق آباؤهم، فلم يجدوا من عبارة يعبرون بها عن أسفهم لسوء فهمهم حين كانوا في موقف أبنائهم إلا العبارة الدارجة على ألسنة العامة: “الله يسمح لينا من الوالدين”. وهي عبارة تنم عن روح الاعتراف بالخطإ فيما كانوا يرونه صوابا، أو بفضل الوالدين واستحالة مكافأتهم على ما قدموا لهم من نصائح أو توجيهات.