في الحلقة الثالثة من سلسلة “آيات في المنهاج”، وهي تدبُّرٌ في آيات قرآنية تأصل لمفاهيم منهاجية بالاعتماد على كبار المفسرين وعلى ما أثله الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتبه، يتحدث الدكتور رشيد العموري عن الصبر مع المومنين من خلال تدبر قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.

ويُذَكِّرُ العموري، في البرنامج الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية، بسبب نزول الآية الكريمة وهي أن ناسا من قريش جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل عليه السلام فقال: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ {الأنعام:52} ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ {الأنعام:53} ثم قال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (الأنعام: من الآية54) قال فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.

ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي بَعْضِ أبياته فخَرَجَ يَلْتَمِسُهُمْ، فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ، فَقَال: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ”.

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ (يا محمد) مَعَ الَّذِينَ بمعية المومنين صحبة المصحوب الأعظم صلى الله عليه وسلم وصحبة المومنين، ولا تعارض بينهما. والصحبة شرط ضروري في التربية. والصحبة هي أول شرط من شروط التربية.

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ قيل الصلوات المكتوبة، وقيل مطلق الذكر من دعاء وتسبيح وتحميد وغيرهما… والذكر هو الشرط الثاني من شروط التربية.

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ في الصباح والعشي. ويقول صلى الله عليه وسلم في هذا: “لأن أذكر الله تعالى من صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس خير لي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى المغرب خير لي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا”. فذكر الله تعالى كان ديدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وديدن من رباهم صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ.

الشرط الثالث هو الصدق: ماذا يريدون؟ يريدون وجهه، لا يريدون شيئا آخر. وهم ثابتون على هذا المقصد الأعظم إلى أن يلقوا ربهم.

ولا تعد عيناك عنهم، أي لا تفارقهم يا محمد

تريد زينة الحياة الدنيا أي تطلب أشراف قريش الذين لهم المال والمكانة تريد نصر الإسلام بهم.

ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا شغلناه بغير عبادتنا

واتبع هواه وكان أمره فرطا أي خسرانا.

الإمام عبد السلام ياسين نظر في هذه الآية فتحدث عن هذه المعية التي كانت للصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وانتفعوا بها أيما انتفاع، والآن نحتاج نحن أيضا إلى هذه المعية التي تعوض بصحبة أولياء الله.

ولا بد من الذكر، ولا بد من الصدق.

قال الإمام رحمه الله: اقتُرِحَ عليك الاقتحام، وعُينت لك الرفقة مع المريدين الذاكرين غير الغافلين، أرباب القلوب العاكفين بباب الله بالغداة والعشي. فأين إرادتك من الإرادات؟ وأين همتك من الهمم؟ إن كانت لا تحركنا الإهابة القرآنية فلعل ملاحظة أقراننا في الإنسانية والإسلام، السابقين الراقين في مرافع الإحسان، توقد فينا حمية المنافسة”.

الذاكرون الله كثيرا في أمة النبي صلى الله عليه وسلم صنفان: صنف الصحابة وصنف من جاء بعدهم. فنحتاج ونحن نؤسس للخلافة الثانية على منهاج النبوة أن نجمع بين صحبة أولياء الله وبين الذكر وبين الصدق وبين الجهاد لنكون على أسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحتاج أن نصبر على الناس وألا نستعجل النتائج والحمد لله رب العالمين.