دون سابق إنذار، ولكن بتوقُّع يتحسَّسه النظر الفاحص، خرج وزير الداخلية المغربي متهما جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالوقوف وراء أحداث جرادة وتأجيجها، والرغبة في إشعال كل ربوع الوطن المنعّم في هدوء الأمن وسكينة العدالة!!!

قال عبد الوافي لفتيت “نجيكوم نيشان.. الناس ما مسوقينش لما تقوم به الدولة، العدل والإحسان والنهج والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مابغاوش هادشي يبرد، ما كرهوش لو كان المغرب كامل فيه العافية، بغاو يشعلو العافية في المغرب كامل”.

تصريح وزير الداخلية الذي قدّمه أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب اليوم الإثنين، والمخصص لدراسة الأحداث الأخيرة في جرادة، تميز بخطاب منفعل غير منضبط، وأكد منهج الدولة في التعاطي مع المشكلات القائمة، وقفز على المنطق العقلاني السوي. فإلى النظر:

بنية الخطاب: كلمات منفلتة واتهامات فجة

تميز خطاب السيد الوزير بغير قليل من الانفعال؛ إذ انفلتت الكلمات من عقالها وطوّح بها رجل الدولة دون حساب لدقتها وقدرتها على إقناع الرأي العام واحترام ذكاء المواطنين، موجها تهمة افتعال وتحريك الاحتجاجات إلى المكونات الثلاثة.

“نجيكم نيشان” أو “نجيكم من الاخر” كما جاء على لسان لفتيت، بقدر ما تظهر غضبا وانفعالا تكشف حجم الأزمة التي توجد فيها السلطة؛ إذ يبدو أن وصفة الاعتقالات والمحاكمات والتدخلات الأمنية العنيفة لم تستطع أن تأتي بالنتيجة المرجوة إلى حدود اليوم، خاصة وأنها الوصفة التي أريد لها بعد الريف أن تخرس الأفواه في باقي المناطق عن الكلام والبوح.

كلمات الوزير غير المحسوبة تكاثرت في الجلسة إياها، لتتكشّف بنية خطاب يستخف كثيرا بالأفهام والعقول، فوزير الداخلية سرعان ما انطلق من “أزمة جرادة” إلى الحديث عن سعي التنظيمات الثلاثة إلى تعميم الأزمة على ربوع الوطن (ما كرهوش لو كان المغرب كامل فيه العافية، بغاو يشعلو العافية في المغرب كامل)، ثم وقف، متقمصا دور الباحث والراصد السياسي، عند “الأزمة الذاتية لحركات الفتنة” إذ رأى أنها تعيش حالة من الجمود (حيث عجزت عن خلق فضاءات جديدة لاستقطاب المواطنين لصفوفها، وخطابها السياسي لا يجد أي صدى لدى المواطنين)، وصولا إلى كشف نيتها الخبيثة في تسويد صورة المغرب أمام المنتظم الدولي (تحاول أن تحرج صورة الدولة أمام الرأي العام الوطني والدولي والمنظمات الحقوقية)!!

في علم التواصل السياسي، الذي يفترض أن الوزير يجيد أولياته مادام رجل دولة، لا ينبني الخطاب على سيل من الكلمات المسترسلة التي لا يشدها إلى المنطق رابط وإلى العقل خيط وإلى الواقع سند، بل يتأسس على شيء من العقلانية التي تحترم المنطق والذكاء، والحقائق التي تجري على الأرض وتراها العين. وهي الأشياء التي خلا منها الخطاب/الاتهام وأسقطت الوزير في اتهامات فجة لا يُقوَّم لها أَوَد.

ولعل زيارة خاطفة إلى كتاب الخبير والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي “السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للبروباجندا”، من شأنها التنبيه إلى الكثير من الحيل التي باتت سقطات مكشوفة في عالم اليوم، ينبغي هجرها سريعا.

منهج الدولة: نسج على المنوال وبحث عن الشماعة

خرْجةُ الوزير لفتيت ليست الأولى، ولعلها لن تكون الأخيرة؛ ذلك أن مسؤولي الدولة، خاصة وزراء السيادة في الداخلية المنفلتين من رقابة رؤساء الحكومات، ديدنهم الوفاء لمنهج صريح للسلطة ينبني على “تدبير الأزمات” لا حلها، واتهام الأصوات المعارضة الرافضة لهذا الخيار المعوجّ بإثارة الفتن والقلاقل.

كلنا نتذكر الخرجة الشهيرة لوزير الداخلية الأسبق شكيب بنموسى سنة 2006 وقولته الشهيرة -الغريبة في عالم السياسة- “بتكثيفها لأنشطتها تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”، وهو اتهام استكثر على الجماعة أن تتواصل مع عموم المواطنين وتساهم في تأطيرهم، وعجب أن ترتكب “جرم” توعية الناس وعرض مشروعها على عقولهم المستقلة، وهو عَجَبٌ متفهم ما دامت استمرارية النظام الحاكم قائمة في جانب منها، كما يذهب إلى ذلك الكثير من الدارسين، على تجهيل المواطنين والحؤول بينهم وبين منابع المعرفة والوعي.

وكلنا نتذكر تصريح الوزير محمد حصاد، أيام احتجاجات طنجة ومدن الشمال ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء وإبان مسيرات وإضرابات الأساتذة المتدربين، حين أشار، ولم يصرّح، إلى “المنظمة المعلومة” (يقصد الجماعة) باعتبارها محركة لكل تلك الفعاليات الشعبية الرافضة للواقع البئيس المختل، والمطالبة بحلول اجتماعية تستجيب لظروف العيش الكريم. واللافت هنا أن حصاد هو من تم التخلي عنه لاحقا مع تحميله مسؤولية القصور في تدبير الملفات الاجتماعية والأمنية التي أثيرت في عهده، مما يكشف أن الخلل كان في التدبير القطاعي وفي السياسة العامة للدولة وليس في مطالب الناس المشروعة.

كما نستحضر جميعنا حالات عديدة أطلقت فيها السلطة العنان لألسنة مسؤوليها لاتهام النهج والجمعية، وغيرهما من الحركات والشخصيات المعارضة، بالوقوف وراء أحداث معينة، دون أن تكلف نفسها التدقيق في التهمة ولا تقديم صك الاتهام؛ ذلك أن الثابت في كل ذلك هو الفشل في إيجاد الحلول لأزمات الوطن المتكاثرة جراء السياسات العمومية الفاشلة باعتراف رئيس الدولة، والثابت أيضا هو البحث عن الشماعة التي يُعلّق عليها الفشل ويُراد منها ترهيب المحتجين وتخويف الرأي العام، في لعبة باتت مكشوفة ممجوجة وأصبحت تواجه في الكثير من المرّات بالتنكيت، إلى حد أن تناقل المتابعون، سخريةً من هذا المنطق الأعور، أن الجماعة ونظيراتها من الحركات المعارضة هي السبب في الفيضانات التي ضربت المغرب في السنين الأخيرة وموجة الثلج هذا العام!!    

همسة عقل: انزع الفتيل

بناء على قول وزير الداخلية، ومنطق السلطة هذا، يمكن لكل عاقل أن ينصح صانع القرار بأمر بسيط، وننصحه به نحن كذلك؛ انزع الفتيل فتخمد الاحتجاجات ولو اجتمعت الجماعة والحزب والجمعية ونفخوا في نار الفتنة ما اشتعلت، اسحب البساط يا هذا من تحت أقدام المخربين، والسحب بسيط تملك قراره بشكل مستقل (إرادة ذاتية) ولا تتدخل فيه نوايا وقدرات الحركات الثلاث (عوامل موضوعية):

–       أطلق سراح المعتقلين في جرادة والريف وعموم معتقلي الاحتجاجات السلمية وأصحاب الرأي. لن تستطيع الجماعة والنهج والجمعية مهما بلغ تأثيرهم أن يقنعوهم بالبقاء في “بحبوحة” المعتقلات والسجون.

–       قدّم بديلا اقتصاديا حقيقيا في جرادة المهمشة وباقي مناطق المغرب المستبعد، وابدأ فعليا في خطوات التنفيذ واسترجاع ثقة المواطنين. لن يقْوَى مناضلو الجماعة والنهج والجمعية على إخراج الناس عنوة إلى الشارع العام.

–       انتهج خيارا جديدا يحترم الإنسان وكرامته وحقوقه، ويؤسس لمنطق جديد في الإدارة السياسية؛ ينطلق من تجديد الشرعية لتتأسس على السيادة الشعبية ولا ينتهي بالمشروع التنموي الذي يشمل مختلف المجالات. لن يُسمع للجماعة والنهج والجمعية حينها صوت في منتديات العالم مهما علا.

“خلينا تاحنا نجيوك نيشان”؛ صوت العقل أعلاه يدعوك إلى خطوات بسيطة ملموسة، تملك قرارا ذاتيا في اتخاذها وتنزيلها، وحينها لن تجد لا جماعة العدل والإحسان ولا حزب النهج الديمقراطي ولا الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ولا غيرها، أسبابا تتكئ عليها لإشعال الفتنة و”هاد الشي تلقائيا غايبرد”.