بقلم: الحسين مارس 

إن أول زواج وآخره في تاريخ الخلائق هو زواج الروح والجسد وإذا النفوس زوجت التكوير الآية 7. وكلما استمر هذا الزواج تستمر الحياة وتثمر وتزهر، وبانتهائه تخيم الوحشة ويعم السواد. وإذا نظرنا إلى هذه العلاقة الحميمية القوية نجد أنه كلما كانت الغلبة لأحد الطرفين وطغى وتجبر ونآى بجانبه، غاب التوازن والتفاهم والسكينة والمودة والرحمة. فالروح كلما سمت وتخلصت من جاذبية الأرض راحت تحلق في المعالي، ضاربة عرض الحائط كل أرضي منحط، غير راضية بالدونية وغير آبهة بالمتاع الزائل، متمردة على كل خسيس، صائمة، قائمة، ذاكرة، معتكفة، لا ترضى بغير الإحسان مطلبا، لا يهمها حال الأمة، ولا ما تتخبط فيه من ويلات، ولا ما يتجرعه المسلمون من مآسي وآهات، منزوية، زاهدة، متحررة من بشريتها وطينيتها .

أما الجسد فكلما تمكنت منه الدنيا ببريقها وصولجانها، خلد إليها وغرق في ملذاتها وضاع في متاهاتها تتجاذبه أمواج يمها المظلم، وتتشعب به السبل لا يعرف للطمأنينة طريقا، طامعا في تحقيق العدل مطلبا، لكن دون جدوى، أنى له التوفيق وقد حاد عن الجادة وأخطأ الطريق، والروح تناشده العودة والثوبة والأوبة، صارخة في وجهه، مستجدية ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد. وقد يستفيق هذا الجسد من غفلته ويعود ويستجيب لنداء الحق وقد لا يعود .

لكن كلما عاد هذا الجسد عن غيه وطغيانه وانبطاحه وانغماسه في الشهوات، وأخذت النفس حظها من السمو غير غافلة عن واقعها، مراعية لبشريتها، دخل الطرفان في وفاق ووئام عنوانه المودة والرحمة والطمأنينة وثمرته صحبة في الخير إلى أن يشاء الله، وإحسان في السماء بنيل الزلفى من الواحد الأحد، وعدل في الأرض بإقامة الميزان وحفظ حقوق الناس، قبل الوقوف بين يدي من لا يظلم عنده أحد.