1.      المقدمة

إن التحديات التي قد تواجهها المؤسسات الإدارية والاجتماعية؛ الإنسانية أساسا؛ في مرحلة شديدة الحساسية، وجد استثنائية، أكثر من أن تحصى، وذلك بتصاعد سقف المطالب فيها والتوق 1 الجماعي للحرية ونيل الحقوق المادية والمعنوية بكل تجلياتها، كما قد تعرف مقاومة شديدة ظاهرة وخفية 2 للذين تضررت مكاسبهم وامتيازاتهم وضعف نفوذهم 3.

مرحلة يصعب التكهن بنتائجها على الأرواح والأعراض والأموال والأديان والعقول، ويتعذر؛ أحيانا؛ التمييز بين المتسرع المتحمس لتطبيق حد من الحدود، أو انتقام من معارض، أو حرص صادق على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وقد يزداد العنف وتعم الفوضى، وتدمر البيئة والإنسان والكوكب عامة، وتشتعل نار الفتن هنا أو هناك، ولا أحد يملك القدرة على إيقاف لهيبها.

كل ذلك قد يحدث بدعوى العبور والانتقال السياسي 4: System transition إلى أمل الاستقرار، لكن هذا الاستقرار قد يطول طلبه، لوجود المنتفعين والمرتزقين بالفوضى والفتن، حينها يصبح جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم أولى وأهم، بل يصبح الحفاظ على استقلالية المؤسسات الإدارية الاجتماعية أكبر قيمة من ذي قبل، وقد كان طلب تحقيقها ذا أولوية قبل ذلك.

نتساءل إذن عن القيم الإنسانية المشتركة لاستثمارها خلال المرحلة الانتقالية إلى الاستقرار السياسي دون إراقة دم، ودون المساس أو الحط من كرامة بني آدم، أو تضييع الأمن على الأنفس والأديان والأعراض والأموال والعقول؟ كيف نهدئ الأنفس من غضبها وثورتها؟ هل من فقه إداري إنساني مشترك؛ من منظور المسلمين؛ يمنع تسرب الكوارث وامتدادها، ويذكر الناس “بأخوتهم الطبيعية والتكوينية وبمصيرهم الحتمي المشترك” 5؟ كيف نضمن استمرار قضاء المصالح الإنسانية، حفظا للنفس والدين والمال والعرض والعقل؟ هل من اجتهاد استثنائي؛ برحمة قلبية وحكمة عقلية؛ في مرحلة استثنائية لبلورة قوانين جديدة 6 وفق فقه مقاصدي يتحرى النظر العميق في الواقع، وإعادة الاعتبار للمصادر العقلية أو التبعية 7، وتحاشي التسرع والحماسة والإكراه والتكفير والانتقام والقسوة والغلظة في إصدار الأحكام وتعليق المشانق، وقهر وتنكيل واستضعاف الأطفال والنساء والشيوخ وعموم المستضعفين؟ كيف نضمن تحقيق الاستقرار في العلاقات الأفقية، وإعمار الأرض بدل تخريبها؟ أليس من العدل الاحتكام إلى الديمقراطية والعقلانية والتعددية والحوار، باعتبارها مبادئ تخص البشرية جمعاء، لأجل تنظيم العلاقات بين الأفراد؟ 8 أيمكن التواثق 9 إداريا على ذلك؟ وكيف يمكن تجاوز الصعاب الأخلاقية والسياسية والواقعية والإدارية والمنهجية لبلورة مشترك إداري من منظور إسلامي يتوافق عليه الجميع؟

كيف نؤسس لمشترك إداري إنساني من منظور الفكر الإسلامي؛ في فترة الانتقال السياسي؛ التي عرفت، من خلال تجارب تاريخية سابقة أو في عصرنا، والتي قد تعرف فراغا تنظيميا، قد يتسبب في التصادم واستعمال العنف الممقوت نبويا؟

كيف نحول دون إتاحة الفرصة لـ”السيبة” وتدخل الأجنبي فتعم الفوضى؟ أيمكننا استباق الحدث، قبل وقوع الكوارث الإنسانية خصوصا؟ هل من اتفاق إداري بين الفرقاء السياسيين أنفسهم، لضمان الحياة السلسة للناس؟ أيمكننا الحفاظ على مساحة إنسانية لا تمس فيها المصالح الإدارية والخدماتية؟

طالع أيضا  في صميم المشترك الإنساني (2)

لا بد من اتفاق أو توافق يستجيب ولا يتجاهل مطالب الصحة والتعليم والتغذية والأمن على الأنفس والأموال والأعراض والعقول والأديان، إذ ما نلاحظه اليوم، أن أول من يتأثر المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، المسلمون منهم بالخصوص، في مصر واليمن وليبيا وسوريا… وفي دول أخرى من العالم، بل والكوكب عموما، فاستباق الحدث يعني التصدي للابتزاز السياسي والحزبي الضيق، والإبقاء على المصالح الاجتماعية الضرورية للناس بعيدة عن السلطة السياسية بقضائها، أو القوة المعارضة بحماستها.

في اعتقادي أن المشترك الإداري الإنساني من منظور إسلامي زمن الانتقال السياسي بالغ الأهمية، لأنه لم ينل حقه الوافي من الدراسة والتحليل في مكتبتنا الإسلامية، وبالتالي فالضرورة الأكاديمية والواقعية تفرض الاهتمام به والبحث في أوراق تاريخنا عن نماذج انتقالية ناجحة.

ثم إن هذه اللحظة الاستثنائية (لحظة الانتقال السياسي) تهدم بقوة الغاضبين كل اليافطات والقوانين، إلا يافطة معانقة الإنسانية في مشترك مصيرها ومصالحها ووطنيتها وأخلاقها الكونية.

إضافة إلى أن استباق الحدث، يعني الحرص على أن تمر فترات الانتقال السياسي دون إراقة دماء، أو هدم عمران، أو شتات أسر وترحيل إنسان، وبالتالي فالهدف المساهمة في وضع قانون إنساني استثنائي خاص بها، لأن، خلال تلك الفترة، الجميع يرفض القوانين الجاري بها العمل 10.

وقد تناولت عدة دراسات المشترك الإنساني عموما، ومفهوم الإدارة عالميا، في الدول الصناعية والعلاقات الدولية أساسا، ثم الدراسات السياسية والاجتماعية والفلسفية التي تناولت مفهوم الإدارة وخصائصها في الإسلام، وهي أكثر من أن تحصى، بدءا من “الماوردي: لما تركه من فكر إداري سياسي لا غنى للدارسين والعلماء عنه… ابن تيمية: وما تركه من فكر إصلاحي إداري لا بد من الرجوع إليه. القلقشندي 11: وقد حفظ لنا في صبحه كل ما نريد معرفته عن الإدارة المكتبية” 12، وابن خلدون.. ونفر كثير في زمننا، إما في شكل دراسات مقارنة أو أحادية، لكن المهتم منها بالمشترك الإداري الإنساني من منظور الفكر الإسلامي أثناء الانتقال السياسي تكاد تكون منعدمة، حسب اطلاعي المتواضع،  إلا ما كان من أفكار مبثوثة طي هذه الدراسات، والتي أصنفها إلى ثلاث:

o       الدراسات التي تناولت المشترك الإنساني عموما، منها:

–          التعايش السلمي في عصور الدول الإسلامية، عادل محمد عبد العزيز الغرياني، جامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا، الندوة الدولية: التعايش السلمي في الإسلام، كولومبو/ سيريلانكا، 1427/2006.

    من أهم نتائجها: التسامح في الإسلام عقيدة ثابتة وسلوك راق، ذلك جعل المسلمين روادا للتعايش بوضعهم قواعد تنظم العلاقات مع غير المسلمين، لأن الإسلام أصلا دين الإنسان الذي هو مكرم بأصل خلقه، والتاريخ يشهد على عدم تلوث أيادي المسلمين بدم أحد.  وتضيف الدراسة ألا سبيل لاستمرار العلاقات الإنسانية إلا بالحوار واحترام الآخر.

طالع أيضا  المشترك الإنساني في كتابات ذ.عبد السلام ياسين

–          قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء، وهبة الزحيلي، كلية الشريعة – جامعة دمشق، الندوة الثالثة عشرة لتطور العلوم الفقهية في سلطنة عمان، ((الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)) -9 نيسان (أبريل) 2014 م.

تحدثت الدراسة عن عالمية الرسالة المحمدية، وعن كونها السبيل لإنقاذ البشرية، ومد جسور الخير مع الآخر لتحقيق ورعاية المصالح الدائمة المشتركة في كل الأديان، أو الخير العام الشامل لكل الناس، وأكدت على أن للتشريع الإلهي مقصد عام هو جلب المنفعة ودفع المضرة أو درء المفسدة.

من نتائج الدراسة: للإسلام خمسة معالم أساسية هي: “مقصد الحرية، ومقصد السلام العالمي والمحلي، ومقصد المساواة، ومقصد العدل، ومقصد الإصلاح ودرء الفساد” 13

–          فلسفة المشترك الإنساني بين المسلمين والغرب، بحث في العوائق المنهجية والمعرفية أحمد الفراك، أفريقيا الشرق، البيضاء.

     ركزت الدراسة على معيقات التواصل وموانع بناء المشترك الإنساني، بل واستثماره لخدمة الإنسانية تدبيرا للمختلف فيه، والعوائق في نظره إما معرفية أو منهجية، ذاتية أو موضوعية.

–          الإسلام اليوم، مجلة دورية تصدرها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، العدد: 29/1434ه/2013م.

o       الدراسات التي تناولت الفكر الإداري عموما:

–          النظم الإسلامية، نشأتها وتطورها، صبحي الصالح، منشورات الشريف الرضى، ط: 1/1375/1417.

     من أهم النتائج التي خلصت إليها، أن الرسول صلى الله عليه وسلم عند هجرته إلى المدينة حصن الدولة الفتية بالنظم العادلة التي تكفل لها الاستمرار، وكانت شورية منذ البداية، ثم حرص صلى الله عليه وسلم على تحطيم فوارق الطبقات وقضى على التمييز العنصري، وأقر لكل إنسان بكونه إنسانا الحرية، وقد كانت الروح الاجتماعية تهيمن على كل شأن من شؤون حياة الناس العامة والخاصة.

–          الفكر الإداري الإسلامي، محمد محمد ناشد، إهداءات 2001، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي الإمارات، ط: 1/1417ه/1997م.

      تحدثت الدراسة عن الملامح الإدارية في الإسلام، وذكر الشورى وبعض القرارات الإدارية العامة والخاصة: إدارة الأفراد والأموال، ثم تحدثت عن إدارة العلاقات الإنسانية والضوابط الأخلاقية العامة.

–          مقدمة في الإدارة الإسلامية، أحمد بن داود المزجاجي الأشعري، جدة المملكة العربية السعودية، ط: 1421ه/2000م.

تركز هذه الدراسة على المراحل التي مرت منها الإدارة الإسلامية وعلاقتها بالعلوم الأخرى، ثم ذكرت وظائف الإدارة، ودرست بعض النظريات الإدارية من منظور إسلامي، ثم ذكرتنا برواد الفكر الإداري الإسلامي.


[1] من تاق يتوق وهو الرغبة الكبيرة والعارمة في نيل مراد ما، كان ماديا أو معنويا.
[2] ما وراء السياسة، الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين، إدريس مقبول، ط: 1. مطبعة أفريقيا الشرقـ المغرب: 2016، ص: 334 بتصرف.
[3] نفسه، ص: 334 بتصرف.
[4] The term ‘transition system’ describes features of a country’s institutional arrangements which shape young people’s education–work transitions. It explains why national differences in transition processes and outcomes persist despite apparent pressures for convergence
[5] ملتقى علمي .. في ثقافة التعايش والمشترك الإنساني بتطوان، بتنسيق مع مركز الدكتوراه “الدراسات العقدية والفكرية” يوم الثلاثاء 18 أبريل 2017م، وقد شارك في فعاليات الملتقى أساتذة باحثون ونشطاء مهتمون من داخل المغرب وخارجه، بالإضافة إلى مشاركة السيدة غلوريا يونغ سفيرة جمهورية بنما في المغرب، ورئيس جامعة عبد المالك السعدي السيد حذيفة أمزيان، والسيد عميد الكلية الدكتور محمد التمسمان، ثم مشاركة الدكتور أحمد الفراك، نقلا عن شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات http://diae.net/50594.
[6] دروس في الأخلاق، إيكو أميرتو، ترجمة سعيد بنكراد، ط: 1. البيضاء المركز الثقافي العربي: 2010، ص: 147، بتصرف.
[7] منار الهدى، مجلة فكرية شهرية جامعة، العدد: 5/6/2005، محور العدد: الاجتهاد بين فقه النص وفقه التنزيل، ضوابط المصلحة وفقه الواقع، أحمد بوعود، ص: 27. بتصرف.
[8] دروس في الأخلاق، إيكو أميرتو، ترجمة سعيد بنكراد، ط: 1. البيضاء المركز الثقافي العربي، سنة:2010.  ص: 12، بتصرف.
[9] التواثق: تواثق وهو من أفعال المشاركة، أي تعاهد أو تعاقد على فعل معين مضبوط في الزمان والمكان والأشخاص الفاعلين بغرض تحقيق مصالح عامة ومشتركة.
[10] دروس في الأخلاق، إيكو أميرتو، ترجمة سعيد بنكراد، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط: 1/2010، ص147: بتصرف.
[11] صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، القلقشندي، ج:1/15، دار الكتب العلمية بيروت، ص: 10. أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري، القلقشندي (756 – 821 هـ = 1355 – 1418 م)  المؤرخ الأديب البحاثة. ولد في قلقشندة (من قرى القليوبية، بقرب القاهرة، سماها ياقوت قرقشندة) ونشأ وناب في الحكم وتوفي في القاهرة. وهو من دار علم، وفي أبنائه وأجداده علماء أجلاء. أفضل تصانيفه (صبح الأعشى في قوانين الإنشاء – ط) أربعة عشر مجلدا، في فنون كثيرة من التاريخ والأدب ووصف البلدان والممالك، وله (حلية الفضل وزينة الكرم في المفاخرة بين السيف والقلم – خ) و (قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان – ط) و (ضوء الصبح المسفر – ظ) مختصر صبح الأعشى، و(نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب – ط)، نقلا عن المكتبة الشاملة.
[12] الإدارة في الحكم والإسلام، الفكروالتطبيق، عبد الرحمن بن إبراهيم الضحيان، ط: 1/1410ه/1990م، ص: 6.
[13] قيمة الخير العام والمصالح الإنسانية في القرآن وإدراكات الفقهاء، وهبة الزحيلي، كلية الشريعة – جامعة دمشق، الندوة الثالثة عشرة لتطور العلوم الفقهية في سلطنة عمان، ((الفقه الإسلامي: المشترك الإنساني والمصالح)) -9 نيسان (أبريل) 2014 م، ص: 12..