اللغة العربية لُغة فنّ وإبداع، وإفادة وإمتاع، هي نصّ مفتوح على خيارات؛ فهل هو من العبث المسمّى صدفة باللغة المعلمنة أن تكون “جَنّتي” جارا لفظيّا ومعنويّا قريبا لــ”جُنّتي” 1؟! هل هو اختلاف شكلي بين فتحة وضمّة وبين كلمة وكلمة؟! أم هي العربية تَفْصِل جناسا بين كلمتين فإذا المعنى مَعنيان؛ يتباعدان حينا، ويتقاربان حينا آخر، ويتكاملان في كثير من الأحيان؟

“أُسرتي جَنّتي” مفتوحة العين على عدّة معان وأبعاد:

أوّلا: على أساس حسن الاختيار بين الزوجين، استخارة واستشارة وقصدا.

ثانيا: على مقدار النجاح في الاختبار مودّة ورحمة ولباسا، وقبل ذلك ميثاقا وعقدا وشرطا وعهدا.

ثالثا: على مدى القدرة على الصبر والاصطبار؛ قِوامة ورجولة ورُشدا، وأداء وظيفة ودَوْر باقتدار وحافظية؛ سَكنا وحرثا ورعاية بنتا وولدا.

رابعا: على حِكمة مراعاة خصوصية كل جِنس على حِدة؛ طبيعة وشأنا وحدّا.

خامسا: على فلاح كل طرف على حِدة في الانتصار على نفسه لا لها، والاعتذار إلى غيره منها إليه ومنه إليها، والابتدار إلى الخير ائتمارا بأمر مَن أمر بمعروف، وانتهاء بنهي مَن عن مُنكر نهى، ذلك أنّ خبر “أسرتي جَنّتي” هو أُمْنِية من أعظم الأمنيات، وأما المبتدأ النيّة فمَضموم العين إلى اتّقاء مَزالق ومَهالِك، وأزمات ومُدلهمّات فكامِنٌ في شعار آخر مِن الكَلِم الجار المتجانس لشعار الحملة المضمار: “أسرتي جَنّتي” وأعني به: “أسرتي جُنّتي”.

الجُنّة وِجاء مِن النّار، وهي إلى الجنّة مَعْلمة ومَنار.

– جُنّة هي الأسرة: من تهويد وتنصير وتمجيس (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ…) رواه البخاري رحمه الله.

– جُنّةٌ هي الأسرة؛ حاضنة واقية مِن الإعلام الفاسد المفسد بمختلف وسائله وروابطه ووسائطه وشرائطه الجهنمية التي غَزَتْنا -أعني الملوّثة منها، وما أكثرها، وأقلّ البريء السليم منها- في عقر دارنا، وسرقَت مِنّا أوقاتنا وأبناءنا وبناتنا، وقطَّعَت أوصال أُسرِنا، وشتّتت شمل كثير منّا، وجعلت البيت غُرَفا مغلقة، ونوادي متفرقة، وحصونا مخترقة لا تجمع بين أصحابها مائدة واحدة، ولا قواسم مشتركة، ولا أحاديث متّفق عليها، بل أحاديث ضعيفٌ سندُها، مَغموزٌ نسب راويها، مُهلهل مَتنها، إن لم نقل هي أحاديث موضوعة وضيعة تضعُنا في المقاعد الخلفية ظِلاّ ظَليلا، وذيلا ذليلا لمن/وما أريد لنا أن نتّبعه لنَكْفُر بما آمنّا به واتّبعناه، وما استُخرِجْنا منه كي ننفصل عنه، ونؤمن بما اسْتُدْرِجْنا إليه لننخرط فيه ونتخبّط مما لا يُحْمد عُقباه في دنيا العبد وأُخراه.

أسرتي جُنّتي؛ مِن الشُّبَه والحرام في المسكن والملبس والمأكل والمال… ومِن حصائد الألسنة، وخائنة الأعين، وحالقات القلوب، وما تُخفي الصّدور من الأحقاد والضّغائن والآثام.

أسرتي جُنّتي؛ مِن تشرّد الصّغار في الشوارع والملاهي، ووضع الكبار في دور العجزة وسيّء الأسقام والدّواهي، ووقوع ما بينهما في الطّلاق والقطيعة والجرائم والمناهي…

أسرتي جُنّتي مِن جعل البيت قبرا لا ذكر فيه ولا تذكير، ولا صلاة ولا تلاوة ولا دعاء ولا دعوة وحسن تدبير، ولا تطهير ولا تنوير ولا تعمير، بل تقتير أو تبذير أو تدمير، أو مِن جعل البيت قَصْراً لحاكم مستبدّ مفرعن أرعن مُتَأَلٍّ مُستعْلٍ مُتمتِّع مُسْتَغْن طاغ شاهٍ شاه، وجارية وحَشَم، وأميرة وأمير لاهِيَة ولاه، ولا مُنْتَهٍ ولا ناه.

أسرتي جُنّتي مِن الجهل؛ فهي مدرسة لطلب العلم، والمعرفة وحفظ القرآن، والمثاقفة الهادفة، وحرية التعبير مع حفظ الألقاب والصّفات، وهي مؤسسة على التّشاور والحوار والنّصح مع تجنُّب القدح والفضح، ومبنية على قيم الاحترام والانسجام والتراضي والتياسر والتسامح، مع ضرورة المصانعة والمداراة، والمطاوعة ومراعاة الخصاص، والخصوصيات والتخصّصات.

أسرتي جُنّتي مِن البُخل؛ يجد فيها الضّيْف قِرى، والزائر ذواقا، وطالب الماعون عونا، والمستجير من الفتنة ملاذا وأمْنا، وحِضْنا مؤمنا، وقلبا كبيرا يسمع شكاويه، ولسانا ذاكرا يعرض حاجاته على الله…

جُنّة هي الأسرة مِن الخِزي أبدا، جُنّة هي مِن التسيُّب والضّياع لا تُهْمِل مِن الرّعاية والعناية والحِماية أحدا فتتركه يمضي سُدى في دروب الغواية مُتسَكِّعاً أو مُنتطّعا أو مارِقا مُعَربِدا، أو شاكّاً مُرتابا مُتأرجِحا مُتردِّدا.

جُنّة هي الأسرة مِن النّار؛ لقوله تعالى -ومَن أحسن مِن الله قولا، ومَن أوثق مِن الباري مُعتمَدا-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، وقوله سبحانه: وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا، وقوله جلّ وعلا: يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ، وقوله عزّ مِن قائل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وقوله على لسان أمّ مريم المؤمنة الرؤوم الحنون: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وقوله جل جلاله على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه “آزر”: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، وإخباره سبحانه عمّا جرى بين يعقوب عليه السلام وبنيه: قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وإخباره عما جرى بين يوسف عليه السلام وإخوته -وقد حصحص حقّه وزهق باطلهم وجاءوا إليه معتذرين نادمين- فعفا وصفح، وندّ عنه هذا القول الكريم الذي يُفْصِحُ عن معدن نفيس؛ معدن المحسنين الرّاحمين: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

جُنّةٌ هي الأسرة؛ وِجاءٌ واقٍ مِن نهي يزاحم أمر الله بالعدل والإحسان، ويُقْصيه ويُوهيه، ويجعل الأفراد كُلاّ أو جُلاّ أو بعضا نهباً للفحشاء والمنكر، فَيْئا للبغي، مجالا فسيحا وواطئا لقطع الرّحِم، ومنع ذوي القربى حقوقهم:  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

نسأل الله العليّ القدير الذي هو بالإجابة جدير وهو على كل شيء قدير، نعم المولى ونعم النصير أن يجعل أُسَرنا جُنّة مِن سخطه والنّار وما يُقرّب إليهما من قول وعمل، وأن يجعلها دليلا على رضى الله والجنّة وما يقرّب إليهما من قول وعمل، وأن يُجنِّبنا الفواحش والآثام، والشُّبَه والحرام، وسيّء الأسقام في القلوب والأجسام، والفِتَن والمِحن والإحن ما ظهر منها وما بطن، وما يأتي مِن شرٍّ وأذى وضرر مِن الجِنّة والنّاس، إنّه نِعْم الرّقيب القريب المجيب. وصلى الله على الحبيب وآله وصحبه وإخوانه وحزبه، فصلاتُه سَكَن وشِفاء وطيب. والحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله مبتدأ الكلام ومسك الختام، والسلام.


[1] الجُنَّةُ: سُترَة؛ كُلّ ما ستر أو وقى مِن سلاح وغيره؛ “الصَّوْمُ جُنَّةٌ…” الحديث؛ أي وقاية من الشَّهوات.