في حوارنا اليوم، وضمن سلسلة الحوارات التي يجريها موقع الجماعة نت تفاعلا مع حملة أسرتي جنتي، نسوق لكم حوارا مع الأستاذة نبيلة الرغاي، عضوة الهيئة العامة للعمل النسائي بجماعة العدل والإحسان، يبسط “الرؤية المنهاجية لقضية المرأة والأسرة”.

الحوار أماط اللثام عن الرؤية التجديدية التي بسطها كتاب “تنوير المؤمنات” للإمام عبد السلام ياسين في قضية المرأة، توصيفا لواقع حالها الذي ارتبط بحال أمتها حيث انحط بانحطاطه، ودلالة على طرق معالجة هذا الواقع واسترجاع المرأة -ومعها الأسرة- وظيفتها المنوطة بها شرعا. وعرج الحوار على مناقشة بعض النقط المهمة في هذه السيرورة التاريخية؛ من مثل مساهمة الفقه المنحبس في تراجع دور المرأة والذي قوبل بالدعوة لاستنساخ النموذج الغربي من أجل تحريرها.. ليدلنا في النهاية عن المخرج الصحيح والدواء الشافي لمعالجة قضية المرأة على ضوء الكتاب والسنة.

أفرد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله قضية المرأة بكتابه النفيس “تنوير المؤمنات”، ما الجديد الذي جاء به الإمام؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه. بخصوص الرؤية التجديدية في قضية المرأة التي بسطها الإمام رحمه الله في مجالسه وكتاباته خاصة كتابه “تنوير المؤمنات”، حيث سمى مقدمته “خطبة” ليستحضر روح المسجد ويهيئ المتلقين رجالا ونساء لفتح سماع قلوبهم والتبصر فيما سيأتي من حديث ثقيل عميق حول قضية “مظلومة المظلومين” -كما كان يقول رحمة الله عليه-، يخاطب فيهم عقلهم القلبي الذي يفقه عن الله، فيبسط رضي الله عنه قضية المرأة على ضوء القرآن والسنة، موضحا المنهاج النبوي الموصل إلى الله تعالى، الذي يجب على المؤمنة أن تسلكه لتحظى بقربه عز وجل ورضاه. لذلك سماه تنويرا فالكتاب ينور القلوب والعقول والأفهام لتعرف المومنة طريقها ومبتغاها. يوضح المرشد رحمه الله المغزى من كتابه تنوير المؤمنات “ليكون جِلاء غَمام وتنويرا لعقبات الاقتحام، ودليلا لمن يطمح إلى ذروة السنام، لا ترضى همته أن ترتع مع السائمة في سفوح الانهزام والاستسلام” 1.

تجديد المرشد رحمه الله في تناوله لقضية المرأة شمل مستويين؛ تجديد في التوصيف، وفي المعالجة:

فعلى مستوى التوصيف: فقد شخّص رحمه الله واقع الأمة وأدواءها من خلال النظر من أعالي التاريخ، إذ لا يمكن تشخيص حال الأمة إلا من خلال تتبع تطور أحوالها وأمراضها عبر التاريخ لاقتلاع المرض من جذوره. فربط رحمه الله وضعية حال المرأة بحال الأمة، وكشف أن ما وصلت إليه من انحطاط مرتبط ارتباطا قويا بانحطاط الحكم بعد الخلافة الراشدة إلى ملك وراثي عاض، يعتمد القهر والغلبة والتعسف أساسا، ويعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه. هذا الحدث شكل تاريخيا البداية الفعلية لمسلسل النقض لعرى المجتمع الإسلامي الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافترق السلطان والقرآن وانفرط عقد الأمة، ثم أخذت عرى الإسلام تنتقض عُروةً عروةً، وتراجع وضع المرأة التي كرمها الإسلام ورفعها إلى درجة الولاية العامة زمن النبوة والخلافة الراشدة، تربي وتعلم وتشارك في البناء العام والجهاد، وسرعان ما تراجع وضعها ذاك وانتكس وانحبس مع الانكسار التاريخي حتى أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور، مهمشة مهانة؛ أصبحت كما مهملا، فتعطلت وظيفتها وألغي دورها في بناء مستقبل الأمة.

وما دعاوى تحرير المرأة من تلك المخلفات الانحطاطية والتقاليد البالية، بما فيها “الدين” خلال القرن التاسع عشر الميلادي، إلا رد فعل عنيف على الوضع المأساوي للمرأة، لكن هذه الدعاوى لم تخرج عن دائرة سياسة هيمنة الغرب والإلحاق الثقافي والاستتباع الفكري والسياسي والاقتصادي للدول المستعمرة، فلم تنصف المرأة، ولم تجعل منها سوى دمية معبودة أو مكدودة مما زاد وضعها تمزقا وتشتتا وضياعا، تاهت فيه المرأة عن وجهتها وضلت طريقها بانبهارها بالنموذج الغربي الدوابي، وانتحالها نحلة الغالب ظنا منها أنه منقذها إلى وضع أحسن.

هذا فيما يخص العامل السياسي، أما بالنسبة للعامل العلمي فقد أرجأه رحمه الله إلى آفة النظرة التجزيئية الضيقة التي بناها الفقه المنحبس القائم على فقه سد الذرائع، والذي اختزل المرأة في كونها فتنة يجب أن تلزم بيتها وطاعة زوجها. فقه ضيق بعيد عن الهدي النبوي وعن كليات الشريعة، ولّد علاقة كراهية وعنف وكيد وجهل وتسلط بين الرجل والمرأة، علاقة زادها واقع الأمة الموبوء بمختلف الأدواء والعلل تفشيا وتعمقا، هذا الموروث التاريخي للأمة الذي خلف دين الانقياد حيث أصبح الخضوع للحاكم عقيدة وشريعة، وتفشى معه الظلم والاستبداد والفساد وخلف آفة التقليد، سواء كان تقليد اجتهاد من سبق وإنزال فهمهم منزل القداسة والكمال ومن ثم سد باب الاجتهاد، أو تقليد النموذج الغربي الدوابي المغرق في متاع الدنيا والمغيب للمصير الأخروي، واعتباره مرجعا وخلاصا.

وكلا العاملين التاريخيين ظلما المرأة وأبعداها عن وظيفتها ومغزى وجودها، وضيعا حقها في طلب وجه الله وطلب الكمال، وبالتالي أديا إلى إسقاط مكانة المرأة على ما كانت عليه زمن النبوة والخلافة الراشدة إلى درك ما آل إليه وضعها. 

على مستوى المعالجة: يرى الإمام أن المرأة شقيقة الرجل في الأحكام، وهي معنية مثله بأمانة الاستخلاف في الأرض وبالعمران الأخوي، وبتحقيق العبودية لله عز وجل، يعني تحقيق مطلبي العدل والإحسان استجابة لأمر الحق سبحانه، وابتغاء لمرضاته. وذلك بإصلاح نفسها واستكمال إيمانها والترقي في مقامات الإحسان، وبتغيير واقع أمتها المتردي وبناء أمة قوية على منهاج النبوة. فمعالجة قضية المرأة كما يراها الإمام المجدد رحمة الله عليه أمر يستوجب بناء الإنسان رجلا وامرأة بناء أساسه التربية على تزكية القلوب لتستمطر رحمات ربها فتثمر حكمة عقلية وإرادة جهادية. كما يستدعي معالجة شمولية لقضايا الأمة بتجاوز القراءات الفقهية المذهبية الضيقة، والدعوة إلى اجتهاد جماعي منهاجي، تكون المرأة فيه مشاركة وفاعلة، يقول رحمه الله في كتاب التنوير: “حاجة المسلمين إلى اجتهاد يشرك الصالحات القانتات في الجهاد العام للأمة، جهادا يخرجها من قمقم قعيدة البيت الأمية غير المسؤولة” 2. فبعد التحرر من الموروث المانع من معرفة الله والحائل بين المرأة وبين مساهمتها في التغيير والبناء، بيّن الإمام مكانة المرأة المؤمنة في المشروع التجديدي المنهاجي، من خلال إحالة المؤمنات على نماذج من سيرة الصحابيات الجليلات اللواتي تربين في كنف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتستوحي المؤمنات من مدارسة سيرتهن رضي الله عنهن مفاتيح الاجتهاد، لتجديد السنة النبوية روحا وسلوكا وعلما واتباعا، فتستقي منهن علو الهمة في طلب الكمال.

ومن تجديده أيضا أن أعطى رحمه الله مفاتيح الفهم المنهاجي من خلال تدبره المنهاجي في القرآن الكريم وتبصره في السنة النبوية، وقراءاته التجديدية لكثير من النصوص التي استدل بها رحمه الله أثناء بسطه لنظريته المنهاجية حول قضية المرأة، الأمر الذي أدى إلى تصحيح الفهم، ورد الفتاوى والأحكام الصادرة في حق المرأة المحاذية للسنة. كما ساعدت هذه المفاتيح المنهاجية في النظر في القضايا المعاصرة التي تهم المرأة. ولعل أهم ما جدد فيه الإمام رحمه الله في كتابه تنوير المؤمنات؛ إحياء مفهوم الحافظية، المفهوم القرآني النبوي الذي يحدد وظيفة المرأة الاستخلافية بخصوصيتها كأنثى. فقد فصل رحمه الله في معانيه ودلالاته. وشروطه ومقوماته كما حدد مجالاته.

من مخلفات الانكسار التاريخي ما تعرضت له الأسرة، بما هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع والأمة، على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث اختل ميزان العدل فيها فكادت تتعطل وظيفتها الأساسية، مما فتح الباب مشرعا في وجه مجموعة من مظاهر الظلم. فكيف تسترجع الأسرة وظيفتها؟

تحدثنا في الجواب على السؤال الأول عن الانكسار التاريخي وما خلفه اختلال ميزان العدل على الأمة، وكيف انعكست آثاره على جميع مجالات الحياة أفقيا وعموديا، رأينا كيف تجزأ وتفرق المنهاج مع الحكم العاض، وكيف تعتم وضَاع مع الاستعمار ونحلة الغالب. المطلوب منهاج نبوي يقوم على إحياء السنة النبوية وفق متطلبات الزمان والأحوال والعوائد، وذلك من خلال قراءة السنة قراءة مقاصدية تجديدية جهادية شمولية، يتبين من خلالها وظيفتي الرجل والمرأة -القوامة والحافظية- وتتضح العلاقة التكاملية بينهما سواء في البيت -أي الأسرة- أو في المجتمع. فالكل مترابط، لا يمكن علاج أمر الأسرة دون علاج أمر الحكم وتداعياته، ودون وعي كل الأطراف المكونة للمجتمع بدورها وفعلها. وهذا كله لن يتأتى إلا بربط القلوب بخالقها وبمصيرها الأخروي. فعندما تغيب هذه النظرة الشمولية، وتغيب عن العقول والقلوب والأفهام المعاني القرآنية النبوية لوظيفتي “القوامة” و”الحافظية”، عندما تغيب دلالات هذه المفاهيم ويغيب الوعي بشروطها ومقوماتها، طبعا يكون لذلك آثار سلبية على حياة الفرد والأسرة والمجتمع.

وأسوق هنا مثالا للتوضيح؛ عندما يغيب العدل -وهو أصل في الفكر المنهاجي- يعم الفساد والفقر والظلم.. فيتأثر كيان الأسرة بغياب الوالدين الكادحين وراء لقمة العيش، ويضيع الأبناء يربيهم شارع فاسد، وإعلام فاسد وتعليم فاسد.. ويعم جو الأسرة شقاء وجفاء فتتأثر العلاقة بين أفراد الأسرة وينشأ ضياع وخواء وشتات..

العلاج إذا ذو بعدين: على مستوى المجتمع؛ بالانخراط في مشروع طلب العدل. وعلى مستوى الفرد؛ بتصحيح النية وتجديدها مع الله تعالى، والانطلاق من الأمر التربوي بالتجديد الدائم للإيمان والاجتهاد في استكمال شعبه ودوام الحضور مع الله تعالى واستحضار المصير الأخروي، وتمثل المعاني الأخلاقية الحميدة التي يثمرها ذلك الإيمان أمر أساسي في بناء أسرة سليمة متماسكة، كما ينبغي على الزوجان أن يعرف كل منهما جبهته وخصوصية وظيفته تجاه بعضهما وتجاه أبنائهما وتجاه الأمة. فالقوامة في الرؤية التجديدية للإمام مسؤولية القيادة الرفيقة والرعاية الحكيمة أوكلها الله تعالى للرجل، لما أودع فيه من صفات فطرية كقوة العضل ورباطة الجأش وقدرة الكسب، وبالتالي فهي ليست ترجيحا لكفة الرجل وإنما تثقيل لميزانه بمثاقيل المسؤولية ليقود السفينة بحنكة ودراية ومداراة. أما الحافظية في الرؤية المنهاجية فهي حفظ حقوق الله بتحمل وامتثال تكاليف الشرع، بما به يتحقق حفظ كل الدين بطلب وحفظ مقاصده. فبأداء المؤمنة مهمة الحافظية تكون قد دخلت على مقاصد الدين من أبوابه المتعددة والمتنوعة… طلبا وحفظا “حافظيتها إذا لا تقصُر على حفظ حقوق الزوج بل تشمل كل حقوق الله المكلفة بها الزوج. حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه” تنوير المومنات.

قوامة الرجل مهمة كبيرة تعادل وتقابل حافظية المرأة، فهما وظيفتان متكاملتان ومتلازمتان، بعيدا عن التصارع الذي يؤدي إلى غالب ومغلوب، وبعيدا عن المماثلة لأن لكل منهما خصائصه ووظائفه التي خلقه الله من أجلها وأعده لها نفسيا وجسديا، الغرض منهما تحقيق العبودية لله تعالى استخلافاً في الأرض وعمراناً أخوياً.

«فإذا استجاب الرجل القوام والمرأة الحافظة لأمر مولاهما عز وجل، صلحت دنياهما وآخرتهما ونالا الجزاء الأوفى من الله تعالى» 3.

“لا تنازع الحافظية القِوامةَ، بل يعيش بعضهما في كنَف بعض. القوة أخت الأمانة، والقوامة قرينة الحافظية. والسياسة أمر ونهي، للرجل مكانه، وللمرأة مكانها لتزدوج وتنسجم في المجال السياسي القوة والأمَانة كما تزدوج وتنسجم القِوامة والحافظية في الحياة الزوجية” 4.

خلاصة القول؛ أن مقومات الأسرة السليمة ترتبط بقيام الرجل والمرأة بوظيفتيهما القوامة والحافظية، والاجتهاد في بناء مقوماتهما الذاتية والموضوعية والحضور الفعال في مجالهما، الأمر الذي سينعكس على علاقتهما بأبنائهما وبتربيتهم التربية الصحيحة التي تصنع منهم أبناء صالحين. كما يرتبط بإصلاح الوضع العام الذي تتواجد فيه هذه الأسرة. وبالتالي تكامل الوظيفتين داخل الأسرة وخارجها لينتج عنه استقرار أسري وبيئة سليمة لتنشئة أجيال مستقبل الأمة.

في مقابل هذا هناك من المسلمين من أصبح يرى في الأسرة وفي القيم الأسرية عند غير المسلمين مثالا يحتذى، فيسعى لاستنساخه، كيف السبيل إلى إعادة سكة الأسرة إلى وظيفتها القرآنية النبوية؟

دائما نرجع إلى الجواب عن السؤال الأول باعتباره مؤطرا للرؤية المنهاجية في قضية المرأة. تحدثنا عن مخلفات الانكسار التاريخي وما فعله الاستعمار في الأمة ولا يزال، وما يفعل انفتاح العالم على بعضه، عبر الشبكة العنكبوتية من تداعيات غزو الأفكار والنظريات الدخيلة المعادية للدين والعرف والهادمة للأخلاق والقيم الإنسانية، على أبناء الأمة الضائعين وغير المحصنين ما يستوجب استنفار كل الأفراد والمؤسسات لوضع قوانين وبرامج توعوية تحمينا وأبناءنا من هذا الغزو. أولا يجب أن نتحرر من نحلة الغالب، فليس كل ما نراه عند الغرب نقلده على أساس أنه الأصلح والأنجع لأنه الأقوى. فالنموذج الغربي مثلا في بناء أسر متماسكة ليس سليما. فعلماء النفس والاجتماع والتربية أقروا بفشل وفساد النموذج الغربي، وأن مؤسسة الأسرة تتلاشى في المجتمع الغربي، بل هناك نداء الآن لإعادة الاعتبار لدور الأم في متانة الأسرة لما رأوا من أعراض وخيمة نتيجة التفكك الأسري. وبالتالي هم بصدد إعادة النظر لمفهوم الأسرة. لكن من جهة أخرى يجب أن نقر بمظاهر الاهتمام بالإنسان من جانب العدل، فنحفظ له حقه، منذ أن يكون جنينا في بطن أمه، في الحياة والرعاية الصحية ثم بعد ذلك نضمن له حقه في التعليم وتوفير الشروط الملائمة لتربيته فين بيئة سليمة ماديا ومعنويا.. والدولة تضع مؤسسات ترعى هذا الأمر بقوة القانون ومن جانب العدل، لكن الأسرة ككيان وكمؤسسة لها دور في المجتمع، لم يستطع الغرب وضع خطط إجرائية عملية لأجل تفعيلها في بناء المجتمع. أما عن سلوكاتهم وقوانينهم الإنسانية فنجد أصلها في ديننا وشريعتنا الإسلامية، والقيم الإنسانية التي تربط بين الإنسان وأخيه، وبين الزوجين، وبين الوالدين والأبناء؛ إذا لم تربطهم بالله وإذا لم يكن لها امتداد ولم تثمر في الآخرة، فليس لها معنى، فإذا كانت هذه العلاقة مفصولة عن عبادة الله وعن مصيرهم الأخروي، فهي علاقة فارغة غير مثمرة فانية.

قدوتنا وبابنا على الله هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الكامل نستوحي من سيرته العطرة مع أزواجه وأبنائه وأصحابه مفاتيح الاجتهاد المنهاجي النبوي للتجديد في مفهوم الأسرة ووظيفتها وأركانها ومقوماتها ودورها في بناء المجتمع. وقد تحدث الإمام المجدد عن هذا الأمر في كتاباته. ثم نستقي من التجارب الإنسانية ما لا يتعارض مع الأصول والأسس المنهاجية، ونجتهد وفق متطلبات زماننا وأحوالنا وعوائدنا بفقه منهاجي جامع للدين، يفقه الوحي والواقع والتنزيل.

كيف ننتقل من البيت المنكمش على ذاته حتى لو كان بيتا صالحا، إلى بيت من بيوت الدعوة يشع إيمانا ويتعدى إشعاعه إلى العائلة الكبيرة وإلى الجيران؟      

نربط حديثنا بما بدأنا به حوارنا حول معالم التجديد في النظرية المنهاجية عند الإمام المجدد رحمه الله وأعلى مقامه. حيث جعل الخلاص الفردي مرتبط بالخلاص الجماعي وسماه بالسلوك الجهادي فيقول “إذا كانت التزكية الفردية تتوسل بالأوراد من ذكر ودعاء آناء الليل وأطراف النهار، فالسلوك الجهادي يطلب منا الاشتغال ب’وِرْد إعداد القوة، وورد تقويض خيمة الباطل، وورد إقامة دولة القرآن، ودولة العدل والإحسان'” 5، ويعني الإمام ياسين بالسلوك الجهادي: النهوض لجهاد بناء الأمة، اقتصادِها وصناعتِها وتعليمِها وسياستِها وتنظيمِها وإحقاقِ الحقوقِ فيها: “نحن همنا أن ندرج التربية الإحسانية في سياق جِهادي لكي لا تكون مَخْرَقَة” 6. ويقول: “لو كان مشروعنا أن ننعزل عن الدنيا وفتنها لنتفرغ للآخرة ونسلك إليها الطريق السهلة لكان تقليد السادة الصوفية الذين تعطرت بأنفاسهم الأيام لنا سندا كافيا. لكن مشروعنا جهادي ونظرنا إلى الصحابة رضوان الله عليهم المنغمسين -كانوا- في جو الوحي والقتال، كان الإحسان العبادي والإحسان الجهادي لا ينفكان في حياتهم، وفي حياة الصوفية انفك الجهاد عن العبادة، وترك السلطان زائغا عن القرآن” 7.

التربية التي تبناها المرشد رحمه الله في مشروعه المنهاجي هي التربية النبوية التي تعمل على المزاوجة بين المطلب الفردي الأخروي وبين المطلب الجماعي ومصير الأمة. ولن يستطيع حمل همّ الأمة إلا من أحكم تربية نفسه وتزكيتها، ثم اهتم بأمور المسلمين وأخذ بأيديهم ليدلهم على الله وعلى رسالة الإسلام والاعتصام بحبل الله، عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الدنية من نفسه غير مكره فليس مني». فتوعية الأمة بأمور دينها وتعبئة مهمة الجميع رجالا ونساء، وذلك بانفتاحهم على محيطهم فتعم دعوتهم الحي والمسجد والمدرسة.. يدعون إلى الله بحالهم ومقالهم أينها حلوا وارتحلوا، وفتح المؤمنين لبيوتهم في زمن عطل فيه دور المسجد في تربية الإنسان وتوعيته بأمور دينه ودنياه، يجعلهم يدخلون في الولاية الخاصة بين المؤمنين، الولاية التي خص بها الله سبحانه وتعالى المهاجرين والأنصار حين آووا دعوة الله وبذلوا النفس والمال في سبيل الله. ومعاني الهجرة والنصرة تتجدد في الزمان والمكان كباقي المفاهيم المنهاجية.  

وسائل الدعوة متعددة ومتنوعة لا يسعنا المجال أن نسردها، لكن الغاية هي تربية الإنسان على شعب الإيمان وعلى القيم الإنسانية لنبني جميعا دولة القرآن، ونحقق بشارة سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكن برفق ورحمة وتدرج. يجب أن نجد نقط الالتقاء مع كل أطياف المجتمع من أجل الانعتاق من ربقة الظلم والاستعباد والاستكبار والفساد، وتحقيق الأمن والاستقرار وخلق بيئة سليمة تتربى في كنفها الناشئة لتغدو سوية ومعافاة، تبني غدا مشرقا للأمة.

والحمد لله رب العالمين.


[1] تنوير المؤمنات، ص 4، ج 1.
[2] تنوير المؤمنات، ج 2، ص 95.
[3] تنوير المومنات، ج 2، ص 89.
[4] تنوير المومنات، ج2، ص304.
[5] الإحسان، ص 472.
[6] الإحسان، ص 141.
[7] سنة الله، ص 19.