تعتبر الأسرة اللبنة الأساس في البناء المجتمعي، يرتبط صلاحه أو فساده بصلاحها أو فسادها، لذلك اعتنى بها الشرع الحكيم اعتناء فائقا، تجلى في عدد الآيات القرآنية التي عالجت جوانب كثيرة ومتعددة خاصة بتنظيمها، وكذلك في سيرة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم توضيحا وتفصيلا وترجمة عملية.

وإن من معاني لفظ الأسرة معنى القوّة والشدة، يشد أعضاؤها بعضهم بعضا، فيصير البناء مستحكما صلبا. غير أن تقلبات الدهر واختلاف الطبائع وكثرة المسؤوليات، وعوامل أخرى كثيرة لا تنفك عن جبلة الإنسان، قد تصيب هذا البناء بما يضعفه ويوهنه.

في هذه السلسلة سنقف على مجموعة من المحطات التي من شأنها أن تعين الزوجين على المحافظة على حصانة أسرتهما، وإعادة المياه إلى مجراها الطبيعي كلما جار عليها جائر من عوادي الزمان.

محطات تجدد الحياة الزوجية.. النقاش الهادئ

في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة نقف عند محطة النقاش الهادئ، باعتبارها إحدى أهم الركائز التي من شأنها ضخ منسوب السعادة والاستقرار في الأسرة وتعزيز معنى التقدير والاحترام لشريك الحياة.

ذلك أن الحياة المشتركة تحتاج بطبيعتها لتدبير الحوار والنقاش بغية اتخاذ القرارات وإدارة العلاقات. وسواء كانت القرارات طبيعية يومية أو قرارات مصيرية، وسواء جاءت الحاجة إلى النقاش في سياق المشكلات والبحث عن حلول للأزمات أو في سياق عادي طبيعي من الهدوء والاستقرار، فإن الحاجة تصبح ماسة إلى النقاش الهادئ بحثا عن القرار الأفضل والخيار الأمثل، بل إن من شأن هذه اللحظة والمحطة (النقاش الهادئ)، مع ما يصاحبها من هدوء واستماع لصوت العقل ولحكمة الرأي، أن تسهم في تجديد العلاقات بين الزوجين وتبعث داعي الإعجاب والتقدير وتمثن الروابط والتماسك بينهما.

يرفع مستوى التفاهم الوجداني

في هذا السياق تقول الأستاذة هند خلفي الأخصائية النفسية “تعددت الآراء حول أهمية النقاش الهادئ بين الزوجين فالنقاش الهادئ له أهمية في عملية الاتصال والتواصل بين الزوجين إذ أنه يسهم في التقليل من نسبة الاصطدام بين الطرفين وكذلك التقليل من نسبة المشاكل الأسرية، حيت أثبتت احدى الدراسات السيكولوجية وكذلك النفسية أن العلاقات الزوجية التي يسودها هذا النوع من النقاش تكون أقل عرضة لهذه المشاكل وللطلاق، إذ أظهرت أن 87 في المئة من ملفات الطلاق المعروضة على المحاكم يكون انعدام النقاش الهادئ بين الزوجين من بين أسبابها، هذه الدراسة أجريت في احدى المحاكم بالشرق الأوسط”.

وتضيف خلفي، في تصريح لموقع الجماعة نت، “للنقاش الهادئ أهمية كبيرة في المحافظة على أواصر المحبة والانسجام والتفاهم داخل العلاقة الزوجية وبين الزوجين، كما أنه يساهم في الرفع من مستوى الانسجام والتفاهم الوجداني والروحي والعاطفي بين هذين القطبين الرئيسيين في العلاقة الأسرية”.

يطرد الجفاء ويوطد الحب

نماذج كثيرة استطاعت أن تبني سعادتها الأسرية عبر هذا النقاش الهادئ في الحياة اليومية، في هذا الإطار استقينا رأي حسناء النجمي التي راكمت تجربة زواج نموذجية تجاوزت العشر سنوات، بنت فيها مع زوجها حياة يسودها التفاهم والاحترام والمودة والتي كان أساسها المتين الحوار الرصين.

تقول حسناء في تصريح لموقع الجماعة نت، شارحة مفهوم الأسرة انطلاقا من تجربتها “الأسرة، اللبنة الأساس في بناء كل المجتمعات.. تنمو إن نمت، وتثبت إن ثبتت.. وكلما أصاب مجتمع وبال الفساد والتفكك والتدهور، نعرف أن الأسرة قد تصدعت أركانها، وعمها الشقاق والخلاف والصراع بين قطبيها البارزين “الأم والأب”، وتهالكت قواعدها وتسرب منها إلى المجتمع جيل ممزق، حائر، ضائع، لايعرف له هوية ولا مستقرا”.

ونبهت المتحدثة إلى أن “الصمم عن سماع الشريك/الزوج، والسماح له بإبداء رأيه في كل ما يعترض الحياة الزوجية من أمور ومشكلات يومية، يولد الجفاء بين الزوجين وقد تتطور العلاقة بينهما للأسوء مما يقود وللأسف إلى الانفصال، ذلك أن أحد الزوجين يصر بتعنت على رأيه بخصوص مسألة ما، ربما أساء الظن فيها، أو سمع كلاما خاطئا حولها، أو ضاقت حويصلته عن إشراك زوجه فيما يفكر..”. والنتيجة ببساطة “نفور وصدام وانكفاء على الذات، وابتعاد كلي أو جزئي عن الزوج، وتفكك في الرباط الأسري يرمي بظلاله أول ما يرمي الأطفال“.

وتابعت الزوجة الشابة “الحوار لغة رصينة هادئة، تأخذنا في إطارها، وترسم حولنا كل أسباب الوضوح والاستيعاب والانشراح للرأي الآخر.. وتخرج بنا عن دائرة النزاع والتعنت لموقف أو رأي..”.

وتشرح حسناء في توصيف جميل تتجلى فيه رقي العلاقة بين الزوجين قائلة “تتعدد أوجه الحوار لدى الأزواج وتتنوع أساليبه.. فمن مسكة يد والتربيت عليها بحنان، وقول عبارات من قبيل “ما رأيك سيدتي” و”ماذا لو فعلت هذا ياعزيزي”، إلى الصمت الموجب الذي يعوض الصراخ والشتم والضرب حتى، إلى التنازل الرفيق عن رأيي لصالح رأي شريكي أو رأي محايد إن بدا أنه يلم الشمل ويحفظ الأسرة من التهالك”.

وخلصت النجمي إلى أن “أهمية النقاش الهادئ نعرف من خلاله فيما يفكر بعضنا، وبه تزال غشاوة التردد والشك، وبه نقرب وجهات النظر… وبذلك ننأى عن كل ما ينتج الفرقة والتمزق”.

يجدد الحياة ويؤثر في الأبناء

كيف يؤدي النقاش إلى تجديد الحياة والخروج من الروتين الذي يؤذيها؟ تجيب الأستاذة هند خلفي “إن سيادة النقاش الهادئ اللطيف بين الأزواج والإصغاء الجيد من أحدهما للأخر، وسيلة رائعة لتبديد الملل والتخلص من رتابة أسلوب الأوامر والنواهي السائد في  العلاقات الزوجية، ويفضي إلى تكسير حالة الخرس الزوجي، كما أنه يقود نحو التفاعل العقلي والوجداني وتتم من خلاله تجديد مجموعة من المعاني وينمي مشاعر الألفة بين الزوجين ويقوي روابط المحبة، خاصة إذا كان هذا النقاش في بعض الأحيان خارج البيت في مكان ما (حديقة، منتزه …) فهو يكسر روتين ورتابة النقاش بين جدران المنزل“.

وعن تأثير هذا النقاش على الأبناء، تقول هند خلفي الأخصائية المهتمة بقضايا الأسرة والطفل “النقاش إذا كان سلبيا فهو يخلق جوا من التوتر داخل الأسرة بين الأبناء والآباء، ويحدث خللا في التوازن العاطفي والنفسي ويكون له أثر على جميع مراحله الحياتية كما يحدث لديه تشتتا فكريا وتمزقا وجدانيا”، مستدركة “في حين أن النقاش إذا كان هادئا فهو يعطي صورة للأطفال عن أدبيات الحوار باعتبار النقاش جزء من الحوار المتزن، كما أنه يترك انطباعا إيجابيا لديهم ويجعل نفسيتهم مستقرة. فقد أكدت مجموعة من الدراسات أن النقاش الهادئ بين الزوجين الذي يتسم بالتفاهم يلعب دورا رئيسيا حتى في مردودية الأبناء الدراسية، فالأبناء اللذين يعيشون استقرارا أسريا يتميزون بالتفوق“.

يضيف إلى العلاقة الزوجية

“النقاش الهادئ بين الزوجين قيمة إضافية في العلاقة الزوجية، وهو يمكن أن يكون نابعا من طبيعة الشخصية التي تتسم بهذه السمة، وهنا نكون بصدد الحديث عن شخصية من سماتها النفسية الهدوء والابتعاد عن الانفعال بصيغة أخرى شخصية عاطفية لا شخصية انفعالية” تقول خلفي.

كما أن هذه القيمة تضيف خلفي يمكن أن “تكتسب فهي سمة مكتسبة كذلك يكتسبها الإنسان أو الزوجين من خلال الاحتكاك اليومي، وكذلك من خلال التجارب والمحيط الاجتماعي”.

لتخلص إلى أن القيمة نفسها “ليست بالجديدة على ديننا الحنيف، فلنا في رسول الله أسوة حسنة في هذا الباب، فنرى كيف كانت رده صلى الله عليه وسلم في حادثة سيدتنا عائشة عندما كسرت القصعة أمام الصحابة رضوان الله عليهم فكان جوابه صلى الله عليه وسلم أن قال غارت أمكم وهو يبتسم، وهناك العديد من الوقائع والأحاديث الكثيرة في هذا السياق”.