ارتأى موقع الجماعة نت، في إطار الحوارات التي يجريها تفاعلا مع حملة “#أسرتي_ جنتي”، أن يفيد متابعيه بإطلالة على وضع الأسر المغربية من خلال ما يروج في ردهات المحاكم من ملفات يمكن أن تمدنا بفكرة حول نوعية المشاكل التي تؤدي إلى انفصام عرى العلاقة الزوجية. والوقوف على مدى إنصاف المشرع المغربي للأسرة في صياغته للقوانين التي من شأنها تعزيز العلاقة لا فكها. وما إذا كان بالفعل يمكن للقضاء، على اعتبار أنه مكان لفض النزاعات، أن يلعب دورا إيجابيا في تقوية العلاقات الأسرية، والحفاظ على كينونتها.

لأجل ذلك كله، أجرى الموقع حوار اليوم مع المحامية بهيئة الدار البيضاء، الأستاذة السعدية اضريس. فإليكم نص الحوار:

ما هو تقييمكم لحالة الأسر المغربية من حيث تماسكها وقيامها بوظائفها، بناء على ما تتابعونه يوميا داخل المحاكم؟

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

لا يمكن المجازفة بإطلاق أحكام فيما يتعلق بوضعية الأسر المغربية من حيث تماسكها وقيامها بوظائفها في غياب إحصائيات حقيقية وبحوث معمقة، لكن هذا لا يمنعنا من إبداء ملاحظة عامة، بخصوص ملفات التطليق مثلا، التي عرضت على المحاكم خلال السنوات الأخيرة، والتي يمكن أن نسجل أن غالبيتها انتهت بانفصام العلاقة الزوجية بالنظر إلى عدم نجاعة إجراءات الصلح، التي اعتبرها المشرع ضمانة لتماسك الأسرة في مقابل إعطاء حق ممارسة التطليق للزوجة، وأيضا في ظل غياب قضاء متخصص، وأخصائيين اجتماعيين، هذا فضلا عن عدم التنصيص على إجراءات تمهيدية قبل سلوك مسطرة التطليق من قبيل الوساطة الأسرية على غرار العديد من الدول العربية والأوربية.

ما هي في نظرك أهم الأسباب الكامنة وراء المشاكل الأسرية المطروحة أمام المحاكم؟

الأسباب الكامنة وراء المشاكل الأسرية المطروحة أمام المحاكم متعددة، منها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو أخلاقي.

فعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن نسجل تردي الأوضاع الاقتصادية عموما، والذي ينعكس بطبيعة الحال على القدرة المعيشية للأسر وبالضبط على مستوى الدخل الأسري، حيث يعد عدم الإنفاق، وما ينتج عنه من عدم القدرة على توفير بيت الزوجية والاضطرار  إلى السكن رفقة الأهل مع ما يترتب عن ذلك من مشاكل وخلافات أسرية،  أهم الأسباب المؤدية إلى انفصام العلاقة الزوجية. كما أن انخفاض، إن لم نقل انعدام، الدخل المعيشي للأسر يضطر الزوجة إلى الاشتغال من أجل تلبية حاجيات الأسرة، والأمر لا يخلو طبعا من ضريبة باهظة تؤديها هذه الأخيرة بكاملها، نتيجة الحمولة النفسية التي تعود بها المرأة إلى البيت بعد تعرضها لمجموعة من الضغوط والتحرشات النفسية والجنسية.

طالع أيضا  القطاع النسائي بابن جرير يحتفي بالأم في يومها العالمي

وعلاوة على ذلك، فإن المقتضى الذي جاءت به المادة 49 من مدونة الأسرة، والمتعلق بجواز الاتفاق على استثمار وتوزيع الأموال التي ستكتسب أثناء قيام العلاقة الزوجية قد شكل سببا مهما من أسباب تفكك الأسرة نتيجة استفحال الأمية القانونية، خاصة مع ما تروج له وسائل الإعلام من كون المغرب بملاءمة قوانينه الوطنية مع المواثيق والاتفاقيات الدولية قد قطع شوطا كبيرا في التنمية بالنسبة للمرأة خصوصا، والأسرة عموما.

أما على المستوى الاجتماعي، فيمكن الحديث عن مجموعة من الأسباب، منها عدم التفاهم بين الزوجين الذي يكاد يشكل السبب المشترك بين جميع طلبات الطلاق والتطليق المقدمة أمام القضاء. إضافة إلى الندية التي أصبحت تطبع الكثير من العلاقات الزوجية بدل التكامل في الأدوار، وقيام كل واحد من طرفي العلاقة بما هو مؤهل له. هذا ناهيك عن كون رغبة الزوج في التعدد يعد بدوره من الأسباب المفضية إلى انفصام العلاقة الزوجية نتيجة إصرار الزوج ورفض الزوجة، الأمر الذي يضطر هذا الأخير إلى سلوك مسطرة الطلاق أو التطليق، لتبنى الأسرة الثانية على أنقاض الأولى، بل أكثر من ذلك، فإن المقتضى الذي جاءت به المادة 45 من مدونة الأسرة يكرس هذا الأمر، حيث يلزم القاضي بإحالة طلب التعدد في حالة امتناع الزوجة وإصرار الزوج على التطليق، خلافا لما نصت عليه مقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية الذي يلزم المحكمة بالبت في حدود طلبات الأطراف. ويبقى تزويج القاصر من بين الأسباب المؤدية كذلك إلى تفكك الأسرة بسبب انعدام الخبرة والكفاءة المادية والجنسية.

أما على المستوى الأخلاقي، فإن تردي منظومة التربية والقيم داخل المجتمع ينعكس على سلوكات وأفعال الكثير من الأشخاص، من خلال ارتفاع نسب تعاطي الخمور والمخدرات وإقامة علاقات خارج مؤسسة الزواج. كما يمكن أن نسجل عدة أسباب ناتجة عن الانحلال الأخلاقي الذي أصبحت تعيشه الأسر المغربية نتيجة العنف النفسي والجنسي الذي تمارسه وسائل الإعلام بمختلف أنواعها على جميع أفراد الأسرة، وما يتولد عن ذلك من رغبة جامحة في ممارسات شاذة عن الفطرة البشرية، وعن ديننا الحنيف، وحتى عن أعرافنا وتقاليدنا، ونمثل لها هنا بالعنف الجسدي والجنسي الذي يمارسه العديد من الأزواج مخالفين بذلك قوله تعالى “فآتوهن من حيث أمركم الله” (سورة البقرة الآية 222)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم “ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم”.

طالع أيضا  إضاءات من بيت النبوة

هل أنصف المشرع المغربي الأسرة من حيث القوانين الخاصة بها، أم هناك بعض الثغرات التي تحول دون ذلك؟

لا يمكننا استعمال مصطلح إنصاف الأسرة، لأننا لم نصل بعد إلى هذا المستوى، وإنما يمكننا الحديث عن بعض الأمور الإيجابية التي جاءت بها مدونة الأسرة، والتي يمكن تعدادها فيما يلي:

– وضع الطلاق والتطليق بيد القضاء؛

– توثيق عقد الزواج؛

– التضييق في التعدد باشتراط إذن القاضي المبني على مجموعة من الشروط الموضوعية والاستثنائية؛

– تمكين المرأة من حق طلب التطليق للشقاق، واعتباره طلاقا بائنا، في الوقت الذي كان فيه قانون الأحوال الشخصية يخول للزوجة حق طلب التطليق للخلع أو الضرر، مع اعتبار أن الطعن بالنقض في هذا النوع الأخير من أنواع التطليق موقفا للتنفيذ إلى حين البت في النقض، مع ما يستتبع ذلك من بقاء الزوجة في منزلة بين المنزلتين، لا هي بالمطلقة ولا هي بالمتزوجة؛

– النص على أن رعاية الأسرة مسؤولية الزوجين معا، وكمثال على ذلك أن التوجيه الدراسي للأبناء أضحى من حقهما معا، في الوقت الذي كان فيه قانون الأحوال الشخصية يجعل هذا الحق حكرا على الزوج وحده، الشيء الذي كان يخوله الحق في الاختيار بين التعليم العمومي أو التعليم الخصوصي بكيفية منفردة، وغالبا ما تكون على أساس اعتبارات مادية تستبعد مصلحة الأبناء؛

– إقرار الوصية الواجبة بالنسبة لابن البنت أسوة بابن الابن؛

– تخويل الأم المغربية منح جنسيتها لمولودها على غرار الأب المغربي، بعدما كان ذلك قاصرا فقط على هذا الأخير؛

بالإضافة إلى مجموعة من المقتضيات التي حاول من خلالها المشرع المغربي الحفاظ على تماسك الأسرة والحيلولة دون تفككها، وإن كنا نعتبرها غير كافية لتحقيق هذا الهدف.

طالع أيضا  في سياق حملة "أسرتي جنتي".. نساء العدل والإحسان بالقنيطرة يتدارسن قضايا المرأة والأسرة

كيف يمكن أن يساهم القانون في بناء أسرة متماسكة مستقرة؟

القانون وحده لا يمكن أن يكون ناجعا لتحصين الأسرة في غياب مقاربة شمولية للإصلاح تنطلق من إعداد بيئة ملائمة، وتنمية القدرة على استقراء أهداف وروح نصوصه من طرف المخاطبين به، وذلك بالعمل على تغيير العقليات والتمييز بين أحكام الشريعة الإسلامية وبين العادات والتقاليد التي تعتمد القراءات الخاطئة للنصوص الدينية، أو ترتكز على الفتاوى المظروفة بزمان ومكان معيّنين. إلا أنه ولإيقاف النزيف اليومي الذي تشهده ردهات المحاكم لابد من تدخل تشريعي قصد إقرار بعض التعديلات، من قبيل:

– النص على إلزام العدول بإشعار الراغبين في الزواج بإمكانية الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة بعد الزواج؛

– حذف مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة المتعلقة بالبينة الاستثنائية في إثبات العلاقة الزوجية، حتى لا تتخذ ذريعة لإضفاء الشرعية على العلاقات الجنسية التي تتم خارج مؤسسة الزواج أو التحايل على المقتضيات المتعلقة بتعدد الزوجات؛

– النص على مبدإ التكامل في العلاقة الزوجية بدل مبدإ المساواة في تحمل أعباء الزوجية الذي يحمل الزوجة عبء الإنفاق على الأسرة؛

– النص على الوساطة الأسرية كإجراء تمهيدي إلزامي قبل اللجوء إلى القضاء؛

– العمل على تكوين قضاء متخصص في المادة الأسرية، يجمع بين الكفاءة الشرعية والقانونية والاجتماعية؛

– تفعيل صندوق التكافل بالنسبة للمرأة المطلقة وأبنائها، وتعميمه بالنسبة للأسرة المعوزة في حالة عسر الزوج.

وخلاصة القول لا يمكن الحديث عن تماسك الأسرة واستعادة دورها في بناء المجتمع إلا بتكاتف جهود جميع المتدخلين في المنظومة الاجتماعية، سعيا إلى تحقيق إصلاح شامل في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية.