إن حديث “الساعة القديمة، الساعة الجديدة” يظهر للوهلة الأولى حديثا سخيفا عن إجراء تنظيمي عادي، يتماهى وصيرورة أيام السنة نقصانا وزيادة، طولا وقصرا، والذي هو في آخر المطاف ظاهرة طبيعية مرتبطة بحركة الأرض في الفضاء الفسيح.

لكن إذا كان الأمر كذلك لماذا هذا الجدل الكبير؟ بل وهذا الرفض لهذا القرار، ومن فئة عريضة من الشعب المغربي؟

ثم بالمقابل لماذا هذا الإصرار على تمريره، وفرض العمل به، بشكل دوري، والكل يعلم أن الإنسان المغربي عموما، لا يريد، بل لم يستطع إلى الآن إرغام نفسه على ضبط مواعيده والتزاماته بناء على هذا التغير، وهذا الإجراء البسيط الذي يكفيه فيه دفع إحدى عقارب الساعة يمينا أو يسارا ودونما عناء يذكر؟

 تتناسل أسئلة كثيرة أعمق وأهم، من قبيل: هل هذا الرفض الشعبي لهذا القرار شذوذ لا يقاس عليه، أم هو قاعدة عامة؟ وهل يكون انعكاسا لرفض عام وواع لمخرجات نظام اتجاه شعب؟ أم هو تعبير عن رفض “لطريقة” إصداره ليس إلا؟

وهنا يحضرني مثالان على طرفي نقيض:

أولهما: النموذج السويسري الذي يقضي بجعل أي إجراء مهما كان بسيطا، رهينا باستفتاء شعبي يقام له ويقعد.

 أما ثانيهما فهي قصة  تلك القبيلة العربية “تَيْم” التي قال الشاعر في حقها:  

 وَيُقْضى الأمْرُ حينَ تَغيبُ تَيْمٌ   ***  وَلا يُسْتَأمَرُونَ وَهُمْ شُهُودُ

وهي قبيلة عربية، أراد الشاعر أن يهجوها هجاء مقذعا، يوحي بما بلغ بها الهوان والصغار؛ وأنها لا يؤبه بها، حتى أن أي أمر مهم “أو غير” مهم تعلق بهذه القبيلة، يمكن أن يبث فيه وهي غائبة.

فهل للشعب المغربي مع نظامه شيء من تـيم؟

إن نظاما لم يستطع -خلال سنوات عدة- إقناع شرائح عديدة من الشعب بقرار بهذه البساطة، ولم يكلف نفسه أمر إيجاد مسوغ لتبريره، ليطرح أكثر من سؤال.

طالع أيضا  لليوم الثاني.. عشرات الاحتجاجات التلمذية بمدن مختلفة رفضا للساعة الجديدة

فهل هي إذن أزمة عقلية نظام؟ أم أزمة قرار سياسي سيادي؟ الكل يتساءل ممن؟ ولمصلحة من؟ وهل من إجراءات معلومة ومعروفة ’’يلزم اتخاذها’’ قبل استصداره؟          

يصعب الجزم، والحالة هذه، بسبب بل أقول ببعد واحد ووحيد يمكن أن يرجح علة لهذا السلوك الرافض.

لكن الخوف كل الخوف أن يكون الأمر نتاجا لذلك التطور الفصامي القائم على أن متطلبات الدولة والنظام عموما متناقضة مع طموحات الشعب، وأن تطلعات هذا الأخير لا تنسجم و”مشاريع النهوض” التي سنها الأول وبالتالي هو إعلان عن أزمة “ثقـــــة”.

إن انعدام الثقة هذا وبما هو توجس متبادل، ناتج عن تصور قاصر لعلاقات النظام بالمجتمع من جهة، وللمجتمع بالنظام من جهة أخرى. ليضعنا أمام البحث عن المسئول المباشر عن هذه الحالة التي أضحت مزمنة.

فإذا كان المجتمع المغربي وحتى هذه اللحظة يعتبر النظام والدولة وكل مؤسساتها كيانات مزايلة له يتوجس منها وينصابها العداء بطريقة أو بأخرى، فان استمرار عقلية الوصاية على المجتمع “القاصر” و”غير الراشد” عبر التحكم فيه، وامتلاك ناصيته، ومراقبة تحركاته: كيفما كانت وأينما حل وارتحل، بالإضافة إلى اعتبار النظام نفسه صانعا للإرادة العامة ومجسدا لها ماديا ومعنويا -ولنا في ذلك أمثلة عديدة- ليخول لنا الحديث عن أزمة حقيقية نقف أمام أحد مظاهرها البسيطة.  

إنها أزمة ذات طبيعة مركبة متعددة الأبعاد؛ ولعل أحد الأبعاد الجوهرية لها هو أن مشروع الدولة لم يحقق عبر كل المراحل والخيارات والإصلاحات التقدم المأمول والمجد الموعود. وتراوحت نتائجه بين الفشل المتكرر والتعثر والتراجع الدائمين اللذين قضيا على آخر نسمة أمل.

قد لا نكتفي بالحديث عن قرار سياسي أو مخرجات نظام بل عن طبيعة هذا النظام وميكانيزمات النسق السياسي الذي يتبناه ويشتغل به، والذي هو في آخر المطاف انعكاس لصورة -المواطن/الرعية- في مخيلته. ذلك  أن التساؤل عن كيفية صنع القرار السياسي في أي بلد لا يختلف بحال  عن التساؤل عن بنيته وطبيعته.

طالع أيضا  حتى الزمن لم يسلم من جبروته!

بل قد لا نسترسل قفزا إذا قلنا إن عقلية “المنحة” التي يتأسس عليها نسق هذا الاشتغال منذ عقود مضت، هي المؤطر الحقيقي لهذه العلاقة الملتبسة بين النظام والوطن و-المواطن/الرعية -، وهنا سأسوق كلمة للملك الراحل الحسن الثاني -تغني عن كل قول-  مخاطبا مجلس نواب 1963: “سأمنحكم جزءا من سلطات الأسرة الحاكمة منذ اثني عشر قرنا”.

فالدستور ممنوح والسلطات وكل القوانين والحقوق والحريات و… وكل ما دون ذلك تبع.

انتهى.                                                                                            

فلله الأمر من قبل ومن بعد وله الحمد في الأولى والآخرة.