بعد مرحلة ما سمي بصدمة الاستعمار التي خلفت نكسة معنوية في وعي الأمة، ورسخت قابليتها للاستعمار الفكري في تكوين النخب كما العامة، لم تتوانى السلطات الحاكمة بعالمنا العربي والإسلامي، التي كان سعيها الأوحد هو العمل على تثبيت سلطانها ونظامها في معزل عن الحريات وضوابط القانون، في أن تتعامل بصرامة مع منطق العمل الجماعي المنظم السائر في التشكل آنذاك، وذلك من خلال سنّها لقوانين مراوغة، ضابطة لعملية تأسيس الجمعيات، تنحو في الغالب إلى عزل الجماهير الشعبية عن الشأن العام، عبر تقييد إرادة المواطن وتقزيم مساحة الحرية، بتطبيق نظام التصريح عند تأسيس الجمعيات، يكون مشروطا ومضبوطا بآليات عملية كابحة للحرية، بل وموجهة لها حسب ما يخدم رؤى وقضايا وأولويات الأنظمة الحاكمة.

آنذاك، كان الوعي الجمعي للفئة المثقفة والمناضلة يتشكل بدافع من الرغبة في التنظيم والتكتل لأجل مجابهة الاحتلال وبقاياه المترسبة، ولكبح جماح هيمنة الأنظمة الحاكمة، المسيطرة على ثنايا المجتمع. غير أن هذا الدافع وهذه النظرة سرعان ما تلاشت وتقوضت بفعل “أن الإدارة كانت تنظر بعين الريبة إلى كل تجمع للأشخاص ولو كان لأسباب بعيدة كل البعد عن الفعل السياسي، فهي تعتبر أن كل قوة قادرة على التعبئة مرشحة من حيث المبدإ لكي تنحرف عن هدفها الأصلي. وهكذا، فبدل أن يخف أو يتلاشى الضبط الاجتماعي والمراقبة السياسية للساكنة بعد خروج الاستعمار، ازدادا وتعمقا في ظل الدولة الوطنية المستقلة، لدرجة أن المواطن لم يكن يتصور إمكانية وجود أي كيان مدني مستقل عن المخزن” 1 لتتم عملية الضبط الاجتماعي هذه بشكل آلي، بفعل عقبة القوانين المجحفة والخانقة للحريات، التي حالت دون تشكل إطارات مجتمعية قوية بالأحياء السكنية، وبفعل تأثيرات السلطة المعنوية للأنظمة على الناس، “بحيث يقوم الفرد بالسعي لإخضاع نفسه تحت سلطات الدولة الحديثة بكل رضا ودون تفكير” 2. لينساق الناس بعد ذلك خلف الفسحة الضئيلة التي يسمح بها النظام الحاكم، عبر الانخراط في جمعيات خيرية وثقافية وفنية ورياضية… داخل أسوار مؤسسات الدولة، من خلال اشتغالها بمؤسسات دور الشباب في قوالب شبه جاهزة ومتكررة، من حيث القوانين المنظمة، وأهداف ووسائل الجمعية، ومجالات اشتغالها. ليتشكل بذلك الوعي الجمعي للممارس الميداني كما المنظّر على حد سواء على شكل موحد من العمل الجمعوي، مصنوع بعناية، كنموذج يحتذى، يكون هدفه خدمة الناس وتربيتهم على مد اليد للأخذ عوض العطاء، وإلهاء الممارس الميداني والفاعل السياسي بمواضيع ثقافية واجتماعية وفنية وخيرية، يفني عمره في تبليغ رسالتها دون أن تبلغ أذن المواطن الذي لا تنقضي مطالبه. وكل ذلك في عزلة تامة عن عامة الجماهير الشعبية، المكدسة في الأحياء السكنية، دون اهتمام ودون رعاية فكرية وتربوية وحركية، تقوّم سلوكها وتنمي حسها التضامني، وتذكي فيها حس المبادرة والمشاركة في القضايا العامة والشأن السياسي، والذي يعد رهانا حاسما في عملية تغيير.

ومع مرور الزمن، وبفقدان سلسلة الأسباب وخلفيات النتائج المتراكمة، وقع الوعي الجمعي في ما يسمى “بتجنين الزمن” 3، “ذلك أن الإنسان إن غاب عنه فقه سلسلة الأسباب غاب عنه أيضا فقه الحضارة” 4 وبالتالي، وعلى عكس ما هو مطلوب في زمن التغيرات الكبرى، ترسخت في أذهان الناس عامة على أن الموطن الأصلي للجمعيات هي دار الشباب، وأن تواجد الجمعية رهين بتواجد دار الشباب، مما أدى إلى انحصار الثقافة الجمعوية في عمومها بين جدران مؤسسات الدولة، منعزلة بذلك عن عموم الناس، وبالتالي انحصار فعل الجمعيات داخل أسوار دور الشباب، التي تعد “مؤسسة مغلقة على نفسها، تخضع رسميا بشكل يكاد يكون مطلقا لمؤسسات أخرى تحدد خطواتها: الداخلية، وزارة الشبيبة والرياضة، وجهات أخرى تمارس عليها الوصاية” 5، وترسم للجمعيات خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، لتتشكل عبر السنين ثقافة جمعوية على مقاس مضبوط وبإيقاعات محكمة، تهتم بكل الموضوعات وكل المجالات وكل الفئات، في قالب لا يتطلب إلا اجتماعا للتقرير ثم تمويل فتنظيم لنشاط، وما أن ينقضي حتى تنخرط الجمعية في مشروع آخر، لموضوع آخر، لكن في قالب متكرر، لتجد نفسها في دائرة لا تنقضي من المشاريع التي تدغدغ أطراف الإشكالات الكبرى، ولا تبلغ عمقها.

منطق الارتهان لمؤسسة دار الشباب أجبر الجمعيات العاملة بها على تكييف وسائلها وبرامجها مع الخصائص المكانية والزمانية لفضاء المؤسسة الرسمية، الذي لا يمكن أن يستوعب أعدادا غفيرة من الناس، ولا يخلق حيزا واصلا بينه وبين العامة الغارقة في تفاصيل أخرى داخل فضاءات الأحياء الشعبية، مما يجبر الجمعيات على نهج مقاربة التخصص، التي تسمح بملامسة قضايا فرعية أخرى، متنوعة، وموجهة إلى قلة، دون الحاجة إلى توسيع دائرة المخاطب في أهداف الجمعية، تجنبا لإشكال الفضاء، الذي يؤسس في الغالب على هامش الأحياء السكنية، أو بمحاذاة تجمعات جماهيرية مهمة، فاقدة للثقة في مؤسسات الدولة الرسمية، وناظرة إليها بعين الريبة والتوجس.

انزواء الجمعيات داخل فضاءات الدولة الرسمية يجعل منها إطارات نخبوية معزولة عن العامة، وهي مقاربة لا تستقيم مع ما تتطلبه مشاريع البناء النفسي والفكري والتربوي للعامة من الناس، ولا تفتل في عملية الإحياء والبناء، التي تعد من أولى أولويات مؤسسات المجتمع المدني. وذلك راجع لأن مشاريع البناء والإحياء التي تقودها جمعيات الأحياء الواعية بذاتها، والملمة بأدوارها التغييرية والإحيائية، يحتاج وقتا وصبرا وجهدا وتركيزا في العمل، ورؤية استشرافية تنسجم مع البرنامج العملي المصاغ بعناية، والجهد الفكري المبذول لذلك، كما تحتاج إلى عمل قاعدي شعبي لصيق بهموم الناس، يتوسطهم ويتفاعل معهم في عملية تشاركية يومية، تدمج كل الفئات العمرية وكل الحيثيات السكانية، في إطار جمعية إحيائية يلتف حولها الناس ويجدون ذاتهم وبغيتهم فيها، مساهمين في بناء تجربتهم الخاصة، التي يكون عمادها إرادة الناس ومبادرتهم وتطوعهم.

من خلال حراك جمعيات الأحياء وتفاعلها وسط الحي السكني في إطار ما يمكن أن يسمى مجازا بدار الحي نسجا على كلمة دار الشباب، يمكن أن يشاركنا الناس في مهمات البناء بعد أن يحصل بيننا وبين العامة تلاحم 6 يعضده ثقة مبثوثة بين الساكنة، لما يرون من مسؤولية وأمانة المتطوع، وصدقية الجمعيات ووضوحها في كل صغيرة وكبيرة، يخص تسييرها وماليتها وأهدافها، كما يخص الحي السكني وقضاياه الملحة.

جمعيات لصيقة بالعامة، تعمل جاهدة على “أن تشُدَّ فكر الأمة وعزمها إلى المثَل الأعلى المنشود، وأن تسهر على جمع الإرادة المشتتة، لتصنع منها سهما يخرِق الحواجز. وأن تنفُخ في جسم الأمة الميِّتِ روحَ الاستماتة والتفاني في نُصرة الحق والعدل، في نصرة الله ورسوله” 7. ومن يتصدى لهذه المهمة التاريخية غير الحامل لهمّ التغيير والمولع بواقع أمته، المستشرف لأفق الكرامة والعزة والتمكين؟

رؤية وجهد وصبر، أمر لا تطيقه جمعيات سجينة لدار الشباب، أسست مدفوعة لأغراض سياسوية، أو بنظرة قاصرة عن الاحتياجات الحقيقية للبنية الاجتماعية السائدة، وهو للأسف ما جعل عملنا الجمعوي يدور في حلقة مفرغة لأزيد من خمسة عقود، يحسبها الفاعل الميداني والمثقف والسياسي نضالا في طريق التغيير، بينما لا تعدو الحالة الجمعوية في العموم أن تكون إلا خدمة لمنظومة التحكم، التي تجعل المجتمع المدني بمؤسساته وأطره، رهين خدمة مواطن سلبي مقهور، مطالبه لا تنقضي!!!

إن المرحلة العمرية التي يجتازها العالم العربي والإسلامي التي عنوانها الأبرز هو الانتفاضات الشعبية المطالبة بالتغيير، تدعونا إلى تدعيم هذا الحراك الجماهيري، ببث وعي جماعي يؤمن بالعمل الجماعي المنظم والفاعل، ويقر بأهمية المشاركة الجماعية في مهمات البناء والتغيير، مما يدعونا بداية إلى أولوية اختراق حصون فكرة العمل الرسمي في مؤسسات الدولة، المبرمجة على التخدير، والكابحة لكل حركية يتوجس من مسارها، وتجاوز منطق الارتهان لمؤسسة دار الشباب المعزولة عن العامة، ثم العودة إلى الذات، والموطن الأصلي للجمعيات، حيث تنسجم الجمعية مع سماتها الأساسية، التي تتجسد في الروح الجماعية، المنصهرة مع الذات الفردية المتفاعلة مع مجموع مقومات الأحياء الشعبية.

عودة إلى الذات، تدعونا إن اقتفينا آثار حكمة الاقتحام أن نرنو  في أعمالنا ومشاريعنا إلى التركيز أكثر على نطاق الحي السكني، الذي يعد نقطة التقاء بين الجماهير، والذي يغدو فضاء قائما بذاته، كفيلا بتجميع جهود جمعيات الأحياء الشعبية ومؤسسات التأطير الشبابي والنسائي والاجتماعي المحلية، في تناغم مع قابليات الناس للتفاعل مع قضاياهم الخاصة، ثم الانخراط بعد ذلك بشكل جماعي في دعم وتحقيق المشاريع التنموية والتغييرية العامة، التي تضطلع بها مؤسسات المجتمع المدني، وبالأخص جمعيات الأحياء الشعبية، التي تقتحم هموم المجتمع وقضاياه الملحة، بمعية الناس، وبمشاركة العامة، تحريضا وتفاعلا واندماجا، عوض الاقتصار على أدوار ثانوية وهامشية من قبيل العمل الخيري والاجتماعي الإحساني، الموسمي والانتقائي، (رغم أهميته)، الذي ينبني على منهجية العطاء عوض المشاركة والإشراك.

عودة إلى الذات، مقاربة نتجاوز بها منطق الخدمة الذي لا يكرس في المجتمع إلا ضعفا وسلبية، ويغدو في أوقات كثيرة مخدرا لإرادات الشعوب وكابحا لمسار التغيير، حين تغدو الجمعيات والمنظمات غير الحكومية آلية من آليات تنفيس الاحتقان الاجتماعي، ودرعا حاميا يقي الفساد والاستبداد من المواجهة المباشرة مع الشعوب المهمشة، المتخلى عنها، والرازحة دون إشراك في عقر الأحياء الشعبية. وهو عكس ما تضطلع به جمعيات الأحياء الشعبية، الفاعلة والمنتجة.


[1] في سوسيولوجيا العمل الجمعوي بالمغرب، من التطوع إلى العمل المأجور – د. فوزي بوخريص.
[2] سؤالات في المنهج، مقاربة أصولية وفكرية لاحتياجات واقعنا المعاصر – د. مسفر بن علي القحطاني.
[3] تجنين الزمن، عبارة تنسب للأستاذ فتح الله كولن.
[4] مقالة سلطة المعرفة لمونية الديغوسي – موقع يقظة فكر، 7 يوليوز 2014.
[5] دار الشباب وأسئلة المجتمع المدني بالمغرب – مجموعة من الباحثين.
[6] كتاب إمامة الأمة، ص 41 – ذ عبد السلام ياسين.
[7] كتاب إمامة الأمة، ص 46 – ذ عبد السلام ياسين.