تعتبر الأسرة اللبنة الأساس في البناء المجتمعي، يرتبط صلاحه أو فساده بصلاحها أو فسادها، لذلك اعتنى بها الشرع الحكيم اعتناء فائقا، تجلى في عدد الآيات القرآنية التي عالجت جوانب كثيرة ومتعددة خاصة بتنظيمها، وكذلك في سيرة سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم توضيحا وتفصيلا وترجمة عملية.

وإن من معاني لفظ الأسرة معنى القوّة والشدة، يشد أعضاؤها بعضهم بعضا، فيصير البناء مستحكما صلبا. غير أن تقلبات الدهر واختلاف الطبائع وكثرة المسؤوليات، وعوامل أخرى كثيرة لا تنفك عن جبلة الإنسان، قد تصيب هذا البناء بما يضعفه ويوهنه.

في هذه السلسلة سنقف على مجموعة من المحطات التي من شأنها أن تعين الزوجين على المحافظة على حصانة أسرتهما، وإعادة المياه إلى مجراها الطبيعي كلما جار عليها جائر من عوادي الزمان.

محطات تجدد الحياة الزوجية.. السفر

في الحلقة الثانية، من سلسلة “العلاقات بين الزوجين.. محطات تجدد الحياة”، نقف مع السفر الذي يجمع الزوجين باعتباره محطة أساسية تجدد الود والحب والرحمة والسكينة بين طرفي مؤسسة  الزواج، ونطرح ما للسياحة العائلية من أدوار في بعث روح جديدة في كيان الأسرة وإعادة اكتشاف أفرادها لذواتهم وشركائهم.

وإذا كان السفر، الذي سمي لهذا الاسم لأنه يُسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، يدفع الرتابة والملل ويخرج الإنسان من روتين الحياة والعمل ويروح عن النفس ويدفع ضغط التفكير وهموم المعاش، فإنه يمكن أن يسافر بالزوجين إلى واحات جديدة ودوحات متجددة في القلب والنفس، يُعيدان فيها التعرف على قسيم الدرب وشريك الحياة مما لم يكن لهما به سابق معرفة واطلاع، وهو ما من شأنه إحياء ما ذبل من زهرة الزواج ومده بماء زلال يبعث الحياة في شرايين هذا البناء.   

السفر.. يجدد مياه المحبة

في هذا السياق، قال عبد الرحمن ذهباني، 32 سنة ومتزوج منذ ست سنوات، “فوائد السفر في تمتين أواصر العلاقة الزوجية عديدة ومجربة، ولها تأثير بالغ على تجديد مياه المحبة والمودة والرحمة والتراحم بين الزوجين”، وأشار إلى أن هذا التأثير الإيجابي لا يقتصر على الزوجين “بل يشع نوره على الأبناء والآباء ومحيط الزوجين عامة”.

فالسفر، بحسب أستاذ مادة الاجتماعيات، “فرصة لإخراج العلاقة الزوجية من ضغوط الحياة اللامتناهية، وفرصة لإعادة النظر في مجموعة من الأمور الشخصية والأسرية، بل يعد السفر أفضل مناسبات لاتخاذ القرارات العائلية الكبرى، لما يوفره من صفاء ذهن وراحة بال”.

أما سكينة، وهي ربة بيت ومتزوجة منذ 6 سنوات، فشددت على أن “السفر لحظة مهمة في الحياة الزوجية”؛ لتشرح ذلك “لأنه رحلة ذات أبعاد مختلفة، فبقدر ما هو رحلة مكانية لاكتشاف آيات الله في الأنفس والآفاق ترويحا عن النفس واستراحة من هموم الدنيا ومشاغل التربية والمعاش، فهو أيضا رحلة عاطفية تنقل الزوجين من ضيق التعبير وقلة الإحساس والانشغال عن الحياة العاطفية، إلى فضاء الصفاء الروحي والتعبير العاطفي وإعطاء نفس جديد متجدد للعلاقة الزوجية”.

إبراهيم الهواري، المتزوج والأب لثلاثة أبناء، انطلق من تجربته العملية قائلا “نظرا لما للسفر من فوائد فإني أحرص داخل أسرتي الصغيرة على استغلال بعض العطل للسفر وتغيير الأجواء وإراحة الأعصاب من مشاغل الحياة”، مؤكدا من خلال ما عاشه أنه وبعد كل سفر دائما “ما تتجدد الحيوية والنشاط داخل أفراد الأسرة ونعيش مدة على ذكرى السفر في انتظار فرصة أخرى”.

اكتشاف أعمق لشريك الحياة

وألمحت سكينة، التي تعيش ربيعها السادس والعشرين، إلى نقطة أخرى هامة ذلك أن “السفر يجعل الزوجين يكتشفان أهمية التواصل الأسري عامة، والزوجي خاصة، وتأثير ذلك في تجنيب سفينة الأسرة مشاكل التشنج في الخطاب وسوء الفهم وقلة التفاهم والتفهم، بل إن السفر فرصة لاكتشاف أعمق لشريك الحياة وفهم طبعه وطباعه واستجلاء معادن شخصيته الثمينة”.

مضيفة أن السياحة العائلية “مناسبة للتنازل وتغليب محمدة المسامحة والتسامح لتزول الأكدار والأحقاد من القلوب وتمتلئ محبة وتقديرا وتعظيما”.

ولأن السفر بالنسبة لأستاذ التربية الإسلامية، والذي عمر زواجه إلى حدود الآن 10 سنوات، “متعة لا تنتهي لذتها وتجربة لا تنتهي منافعها وفرصة لضخ روح جديدة في شرايين الأسرة”، ولأنه “محبة وألفة ومتعة”، أكد إبراهيم أن “السفر حاضر في برنامج الأسرة رغم الصعوبات المادية والانشغالات الحياتية”.

أما ذهباني فجدد دعوته إلى الزوجين لجعل السفر “دوريا إما سنويا أو فصليا، ووضع برنامج غني ومتنوع يجمع بين تزكية الروح والترويح عن النفس وتعزيز العلاقة القلبية بينهما، وإنجاز الأعمال المشتركة المقربة للأفهام وأنماط التفكير المختلفة”.