في سياق حملة “#أسرتي_ جنتي” أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع المستشار التربوي والباحث في علوم التربية الأستاذ منير الجوري.

الحوار يروم تسليط الضوء على تأثير تكنولوجيا الاتصال والتواصل الحديثة على البناء الأسري، وانعكاساتها على سلوك أفراد الأسرة الواحدة صحّيا وتربويا واجتماعيا، وكذا طرق التصدي لما قد ينتجه هذا الارتباط من تفسخ في النسيج العائلي، وأيضا طرح إمكانيات استخدام هذه الوسائل في اتجاه تقوية العلاقات الأسرية.

هذا نص الحوار:

ما رأيكم في مواقع التواصل الاجتماعي وما أحدثته في طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع عموما، وأفراد الأسرة خصوصا، وفي سلوك كل فرد على حدة؟

بسم الله الرحمن الرحيم. مواقع التواصل الاجتماعي هي حلقة من حلقات الثورة الإلكترونية التي تعيشها البشرية. إيجابياتها كبيرة في تسهيل التواصل بين الناس وانفتاح الشعوب على بعضها وسهولة الولوج إلى المعلومة والمعرفة وغيرها من الفوائد. لكنها عمقت بشكل كبير معنى الفردانية والانكفاء على الذات، لأنها تخدع روادها باتساع عالم تواصلهم وعلاقاتهم الاجتماعية، لكنها تظل علاقات افتراضية لا علاقة لها بواقع الناس ولا أثر لها على مستوى إشباع الجانب العاطفي والوجداني الذي ينبني على التواصل المباشر الواقعي، والذي يتميز بشحنته الإنسانية العميقة التي يتبادلها الأفراد بأكثر من وسيلة وأداة.

فعلى قدر ما فتحته هذه المواقع من واجهات للتشبيك على المستوى العام (الماكرو)، إلا أنها شوشت إن لم نقل قطعت الكثير من أواصر العلاقات البسيطة التي تشكل مصدرا حقيقيا للتماسك الاجتماعي، وامتد ذلك إلى داخل الأسرة الواحدة. وهو ما ينذر بتغيير عميق على مستوى العلاقات الإنسانية تغيب فيها اللمسة الحميمية مصدر الدفء والطمأنينة والمودة، وهذا يؤشر على هزات نفسية أمام عجز هذه المواقع/الآلة على الاستيعاب الكلي للحاجات البشرية.

هل نحن أمام باب جديد من أبواب الفقه التربوي هو باب مواقع التواصل الاجتماعي، وباب جديد من أبواب الآداب الأسرية والاجتماعية التي ينبغي أن يتحلى بها أفراد الأسرة؟

نحن أمام كل تلك الأبواب وأخرى، لأن هذه المواقع مست الحياة البشرية في كل تفاصيلها الروحية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إنها أسست لعالم جديد مفتوح يتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذا يتطلب مواكبة شاملة على جميع المستويات. وأمام التحديات التي تطرحها وهذا الإقبال الكبير الذي تعرفه من طرف مختلف فئات المجتمع، فإن الأدوار التربوية داخل الأسرة ثم المدرسة والإعلام وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية حاسمة في التقليل من الآثار السلبية، وتوجيه إمكانياتها اللامحدودة في اتجاه البناء وترسيخ قيم التماسك والتعاضد. وهذا يتطلب استحضار هذه المواقع في كل مخططات وبرامج التوعية والتربية والإرشاد.

ما هي العواقب الصحية والتربوية والاجتماعية للإدمان على هذه المواقع على أفراد الأسرة؟ وما مسؤولية الوالدين في ذلك؟

أكدت عدة دراسات وأبحاث، في حقول معرفية مختلفة، أن مواقع التواصل الاجتماعي لها عواقب سيئة خاصة عندما يصل الوضع في استعمالها إلى حد الإدمان. حيث تظهر أمراض نفسية على مدمني مواقع التواصل الاجتماعي مثل الخجل والاكتئاب الناتج عن “العيش الافتراضي”، وأخرى عضوية مثل السمنة واضطرابات الطعام عموما، هناك أيضا تأثير على الصحة العقلية خاصة على مستوى الذكاء العام والتفكير النقدي والقدرات التواصلية. ويمتد أثرها لما هو اجتماعي يمس أساسا الذكاء الاجتماعي وضعف القدرات التواصلية الواقعية وغيرها من الآثار. وخطورتها تكون أكبر في مراحل الطفولة والمراهقة.

المسؤولية الأولى تقع على الآباء والأمهات، فدور الأسرة حاسم في بناء عادات جيدة بخصوص تعامل الأبناء مع هذه المواقع ومع الإنترنيت بشكل عام. وأعتقد أن أحسن الأساليب في تثبيت هذه العادات هو المصاحبة والمواكبة والبناء القيمي، وليس المنع أو الحرمان الكلي. كما يتوجب على الوالدين أن يكون لهم حضور في هذه المواقع ليتابعوا أبناءهم ويفهموا طبيعة تلك المواقع وليتفهموا شغف أبنائهم حتى يساعدوهم على حسن التعامل معها، وليس ليُسجَنوا هم أيضا في شباكها.

كيف تحافظ الأسرة على تماسكها ووظيفتها التربوية والاجتماعية في خضم ما أحدثته الشبكة العنكبوتية من تغييرات في المجتمعات والأسر والأفراد؟

ينبغي أن يكون للأسرة مشروعا تربويا واضحا يديره الوالدين بشكل مشترك، يستحضر كل الشروط الذاتية والموضوعية التي تحيط بالأسرة. وهذا ليس أمرا صعبا إنما يحتاج إلى جهد وتفكير وتخطيط للخطوات التربوية للأطفال والمراهقين بشكل تراكمي وبعين مستقبلية. لا بد من فهم وتفهم الأبناء قبل المبادرة إلى توجيههم أو تقديم الدعم لهم. من ذلك أن يحبب إلى الأبناء هوايات واقعية أخرى لا تقل إثارة وجذبا تنمي حافزيتهم للعيش بعيدا عن الافتراض. وتنويع الأنشطة اليومية منذ الطفولة المبكرة. ثم بناء القدوة الحسنة سواء من لدن الوالدين أو مجموعة الأصدقاء التي يختارها المراهق (ة) في مرحلة ما بديلا عن دائرة الأسرة.

ويقوم تماسك الأسرة أساسا على حجم التواصل داخلها، وبناء جو من المودة والرحمة والاحترام. وهي قيم يتشربها الطفل منذ صغره، تجيب عليها عدد الساعات التي يقضيها الوالدان في محاورة أبنائهما، واللعب معهم والقراءة لهم ومعهم، ومصاحبتهم خارج البيت والاستماع لهم… وغيرها من الأنشطة المشتركة. 

تعج مواقع التواصل الاجتماعي بما يروج من دروس إيمانية ومواعظ وخطب تتخذ من الكلمة أو الصوت أو الصورة وسيلة للوصول إلى قلوب الناس، ولكننا نلاحظ في ذلك خليطا غير منسجم يجعل المتلقي تحت وابل من التصورات المتضاربة والمعالجات المتناقضة التي لا تجمعها رؤية تنبع من تصور واحد. ما السبيل إلى تفادي هذه الآفات وإلى توجيه الأطفال إلى جوانبها الإيجابية؟

من أهم مميزات عالم الإنترنيت هو ما يوفره من كم هائل من المعلومات والمعارف والأفكار، وهذا بقدر إيجابيته بقدر ما يستبطن من السلبية، ذلك أن “كثرة المعلومة تقتل المعلومة” كما يقول خبراء الإعلام والتواصل. فوسط هذا العالم المفتوح على مصراعيه تكون الحاجة ملحة أساسا لامتلاك مهارات أخرى غير تحصيل المعرفة وتوسيع دائرة الاطلاع. أتحدث هنا عن مهارة البحث والتحليل، ومهارة النقد والتمحيص، مهارة التفكير والتركيب وإعادة إنتاج المعلومة فضلا عن مهارات ذات طابع تقني مرتبطة بعالم التطبيقات والمواقع.

والأصل هنا هو أن تضطلع المدرسة والمنظومة التعليمية بشكل عام بهذه المهمة، لكن أمام التردي الكبير الذي تعيشه المدرسة المغربية وعجزها عن الخروج من مأزقها وأزمتها الذاتية، فلا بد للأسرة أن تساعد الأبناء على امتلاك هذه المهارات وفق ما يملكه الآباء من قدرات ذاتية.