حينما يتجرأ فكر منفلت في الهجوم على قيم المجتمع وأخلاقه التي هي الحصن المنيع من الانهيار والاندثار، فاعلم أنها ليست صيحة في واد وخطوة معزولة بل إن المسألة أكبر؛ إذ إننا أمام مخطط رهيب ليس وليد اللحظة، يهدف إلى تخريب ما بقي من روابط المجتمع، مخطط يبث سمومه في ميادين مختلفة حتى يتم سلخ المجتمع عن كل قيمه وأخلاقه الراقية.

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت… فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

هل يصح في الأذهان شيء حينما تكون الدعوة إلى العهر وتيسير سبل الزنا واللواط والشذوذ وقبول نتائجهما من صميم الحرية التي يجب أن يفسح لها المجال على أوسع نطاق وتصير أعز ما يطلب؟

ما علاقة الحرية بفكر شاذ يحلم بتحويل المجتمع إلى ماخور، وباسم حرية الجسد “المقدس” تكون المطالبة بحرق كل الكتب المقدسة وتغيير الدساتير ونسخ القوانين، ويرافق كل هذا مطالبة بتعليم يلقن الأطفال لغة الجنس وتوابعه ليحصل الانفتاح على الرذيلة منذ الصغر. دعوة للفجور يصاحبها افتراء على التاريخ وتزوير للحقائق حينما يزعم أن هذا سبيل الرقي والخلاص من التخلف، وأن ما وصلت إليه الحضارة الغربية من تقدم هائل في علوم شتى أساسه الانسلاخ عن مناهج الفطرة السليمة، ومقتضيات الأدب والأخلاق. إن أساس النهوض شيء ومظاهر التفسخ والانحلال شيء آخر.

إذا أصيب القوم في أخلاقهم… فأقم عليهم مأتما وعويلا

التمرد على التعاليم الإلهية والشرائع السماوية، والثورة على الأخلاق والقيم يتم باسم الاجتهاد وكأن هذا الباب مشرع يلجه حتى من تحركه غرائزه وشهواته، إنها من الطوام الكبرى في أجواء انسداد الأفق تحت ظل نظام مخزني استبدادي، أن يكون انشغال هذا المجتهد منحصرا في الجنس وممارسته، ولا خبر له عن فقه السياسة والحكم، واسترجاع الشعب لسيادته المسلوبة.

إن السعي إلى فهم معنى الحرية بحد ذاتها يصطدم بمشكلة أكبر، حيث نجد أن تحليلات الفلاسفة للمعنى المراد للحرية حوله اختلاف كبير، وتضارب لم ينتهي منذ القدم، وانتهى بعضهم من ملاحقة هذه التصورات والتأمل في المخرج منها إلى الاقتناع بأن الحرية وهم لا وجود له، ولا مضمون لها، واعتبروا أن الإنسان مسوق في جميع تصرفاته وأفكاره بسلطان أنظمة صارمة، ومن هؤلاء ليبنس وسبينوزا وقبلهما الفيلسوف اليوناني سقراط وتلميذه أفلاطون وكثير من الفلاسفة الرواقين. في الوقت الذي سعت فيه طائفة أخرى من الفلاسفة إلى إثبات أن الإنسان مفطور على ألا ينصاع إلا إلى رغباته الذاتية وعليه تحطيم كل سدود الضرورات التي تقف دون تحقيق نزواته ومن أقدم الفلاسفة أصحاب هذا الاتجاه، أبيقور الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، وفي العصر الحديث الفيلسوف الإنجليزي هوبز الذي توفي عام 1679.

وفريق ثالث عمل على التوفيق بين الحرية الإنسانية والضرورات التي لا مفر منها، وقالوا أن الحرية هي ترويض الإنسان ذاته أن لا يتحرك إلا ضمن دائرة ما تقتضيه السنن الكونية. ومن أبرز فلاسفة هذا الاتجاه أرسطو، ونجد في العصر الحديث بنتام، وستورات ميل الذي دافع عن الحرية كحقيقة ثابتة بمقدار ما دافع عن الضرورات الاجتماعية كسلطة مهيمنة على الأفراد.

الحرية ليست ممارسة ذاتية تتم في دائرة مغلقة داخل الكينونة الإنسانية، هي تفاعل يتم بين الإنسان والأنظمة الكونية المحيطة به، ويبقى الإنسان محكوما بضرورات ونواميس لا يملك الخروج عنها ولا يقوى على الحركة والسعي إلا ضمن مساحتها وداخل حدودها، والثورة على هذه الضرورات والقيود كانت ولا تزال عبثا من القول تدل على مدى الجهل الذي يتخبط فيه من لا يقيم أي اعتبار لكل هذه النواميس التي بثها الله في الكون من أجل تعمير الأرض، وكل خرق لها يؤدي إلى فساد المجتمعات وهلاكها.

ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود آو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد 1.


[1] سورة هود الآية 81.