أحتفل هذا المساء بمرور عامين على ولادة إبني حمزة.. إنه الضلع الذي جعل حياتي مربعة بعد أن كانت مثلثا متساوي الأضلاع.. أتأمل هذا الكائن القصير الذي يتجول في البيت ناعم البال، خالي الذهن، فوضوي إلى أقصى الحدود، حتى إنه يستحق بكل جدارة وسام “مشاغب” من درجة فارس..

يحلو لحمزة أن يُطوّح بالأشياء من النافذة، كما يحلو له أن يضع في فمه كل ما تقع عليه يداه.كثيرا ما طرق الجيران الباب ليرجعوا لنا المفاتيح واللعب والمناديل ومشبك الشعر وفردة الحذاء.

إنه دائما هكذا، ما أن يقترف فعلته حتى يقف مسمرا عند باب الغرفة يحملق في براءة (لازلت أشك في صفائها ونقاوتها) ويطأطئ رأسه محاولا أن يقرأ عبر ملامحك درجة الضرر الذي سببه.. قالت أمه ذات مرة “ما أجمل أن تكون لنا القدرة على رمي مشاكلنا وأحزاننا عبر النافذة كما يفعل حمزة”، عندها أدركت أن هذا الطفل الصغير أضاف بعضا من الحكمة إلى بيتنا.

ينام حمزة بنفسية المخزن المغربي، غدّار وليس له أمان، يهاجم من ينام إلى جواره عندما لا يتوقع.. حين ينام بجانبي، يتقلب في السرير، يرفع رأسه ويميل ناحيتي، ثم فجأة ينزل بيده فوق رأسي فأصحو على صرخة واحدة مؤلمة.. أبتعد عنه فيقترب منى بحنوٍّ بالغ فأحتضنه، وما إن أستغرق في النوم حتى يكرر ضربته بقوة.

وعندما أكون ممددا على الأريكة أشاهد التلفاز، يحلو له أن ينحشر في أحضاني ويتابع ما أتابع. حجمه الضئيل في بيجامته الزرقاء يثير مكامن أبوتي.

كثيرا ما أتأمل حركاته الطفولية وسروره الخالص وفرحته الكبيرة بكل شيء، بقبلات أمه، بدخولي إلى المنزل وصراخه “بابا جا”، بشجاره مع شقيقته، بعناده معنا كلنا ليشاهد قناته المفضلة، باستيقاظه فجأة وبنومه فجأة، برفضه الأكل رغم توسلات أمه، حتى اكتشفنا عناده مع أخته، فما كان علينا إلا أن نقدم طعامه لأخته فيثور عليها ويأكل غذاءه هنيئا مريئا..

هل يمكنك قارئي العزيز أن تتصور حياتك بدون تلك الأشياء التي أسعدتك صغيرا. قبلة تلقائية من أمك لا لشيء سوى أنها تحبك.. يدك الصغيرة تتشبث بيد أبيك الكبيرة وسط زحام الطريق، وهو عالم بأنك تضيع بدونه.. مشاجراتك مع أشقائك التي لم تكن تعلم وقتها أنها رباطك الوثيق معهم فيما بعد.. ألعابك مع أصدقائك في رحلة العمر. يقظة روحك فجأة وأنت غارق في العبث، وسجود قلبك لنعمة ربك التي لن تحصيها.كل هذا أتأمله اليوم وأنا أعيد مشاهدة هذا الطفل الصغير الذي ينمو بجانبي في عناد وصلابة وفيض إلهي علوي.

لقد منحته جدته اسم حمزة تيمنا بحمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم.. كانت تسمية أقرب إلى الدراما من الواقع، فقد كانت جدته تحب مشاهدة فيلم الرسالة الذي يعاد كل عيد.. المشهد الذي بقي عالقا في ذهنها لسنوات هو منظر الممثل عبد الله غيث قادما على فرسه وقد تعلقت العيون اتجاهه، والمسلمون في ضيق شديد، والممثل حسن الجندي في دور أبي لهب يعتدي على النبي عليه السلام قرب بيت الله، فينزل حمزة من على فرسه ويصفعه بقوة حتى يقع على الأرض وهو يصرخ “ردها علي إن استطعت”، هنا دمعت عينا أمي فخبأت الاسم عميقا في قلبها حتى أخبرتها بعدها بسنوات بقدوم ولد فقالت بلهفة اسمه حمزة  ..

لقد كنت دائما أومن أن الفن، وخصوصا السينما، يمكنها أن تقرب الإسلام أكثر من مئات الكتب والمواعظ والخطب، يمكن للسينما أن تقول للعالم من نحن وما حقيقتنا، يمكن أن تقدم قصصا مليئة بالدراما الصادقة والرسائل الصافية وترسم بدقة ملامح ظهور الإسلام وعذاب المسلمين وجهادهم، يمكنها أن ترسم برقة رحلة الهجرة، وتقدم الغزوات، وتمنحنا روعة حياة الصحابة والصحابيات، ويمكنها أن تقربنا من بعض أحزان وفاة النبي عليه أزكى الصلوات …

أما عندما يمرض حمزة فإن البيت كله يمرض، قال لي ذات يوم صاحب الصيدلية “إذا مرض الصغار فلا تحزن وإذا شفوا فلا تفرح”، حينما سهرت ذات ليلة أنا وأمه بسبب الحمى التي أصابته أدركت عميقا ما معنى الدعاء الذي يردده المغاربة كل يوم (الله يسمح لينا من الوالدين)، وحتى لو أراد شخص أن يشكرك جزيلا فيقول لك (الله يرحم الوالدين).

لقد تفاجأت ليلتها من دموع أمه، ولهفتها عليه، وأدركت أن الأمومة قطرة من رحمة الله، يرفع الفرس بها حافره عن وليده، وتمزق القطة من يقترب من أبنائها.. لكن -للأسف- لا نفطن عادة إلى نعمة الأمومة إلا بعد فوات الأوان. مثلما نعتاد الأشياء ونألفها فلا نحس بقيمتها حتى نفقدها. فلو امتنعت الشمس عن الشروق شهراً لأقمنا لبزوغها الاحتفالات. المشكلة أن شمسَ الأم إذا أَفَلَتْ لن تعود.

وقد علمتني الأيام، من تأمّل أحوال البشر، أن توفيق الإنسان يرتبط ارتباطاً وثيقاً برضا والديه. ففي رحلة الحياة تكثر العثرات والزلات والانزلاقات، ويصبح الإنسان أشد ما يكون حاجةً إلى التوفيق في العمل والزواج، والصحة والرزق، والستر الجميل.. وهنا تتدخل دعوات الوالدين لتصنع الكرامات..

أسأل الله أن يرحم والدي من قرأ هذا المقال، ودعا لوالدينا بالرحمة أحياء وأمواتا و”الله يسمح لينا من الوالدين”. كما أن هذا المقال هو فرصة ورسالة لنتصالح مع أعظم النعم التي منحتنا الرحمة الإلهية. فان كان والداك من الأحياء فزرهما وصلهما وهاتفهما وإن كان من الأموات فادع لهما..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما الميت في القبر إلا كالغريق المُتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالى ليُدخِل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفارُ لهم”. 1.


[1] رواه البيهقي في شعب الإيمان.