ألف الكاتب الأمريكي باتريك جوزيف بوكانن Patrick Joseph Buchanan كتابا مهما عنوانه “موت الغرب” يتحدث فيه عن “الموت الأخلاقي” للغرب بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية، و”الموت الديموغرافي والبيولوجي” الناتج عن النقص السكاني بسبب الموت الطبيعي وعدم تعويض هذا النقص بولادات جديدة.

يقول الكاتب:

“الغرب يَموت، لقد توقَّفت أُمَمه عن التكاثر، وتوقَّف سكَّانه عن النُّمو، وبدؤوا في الانكماش، ولَم يَقُم – منذ الموت الأسود (الطَّاعون) الذي حصد أرواحَ ثلث سكَّان أوربا في القرن الرابع عشر – تهديدٌ لبقاء الحضارة الأوربية أخطر من هذا الخطر الماثِل اليوم؛ هناك سبعة عشر بلدًا أوربيًّا فيها جنازات دفن أكثر مِن احتفالات الولادة، وهناك أكفان أكثر من المُهود (…) وجميع مِلَل النصرانية: الكاثوليك، والبروتستانت، والأرثوذكس، مُمثَّلون في المَسيرة العظيمة لِمَوت الغرب”.

ويقول أيضا: “توقَّفَت الشُّعوب الأوربية عن التكاثر، وبدأ عدد السُّكان في التوقُّف، ومن بين الأمم الأوربيَّة السبع والأربعين هناك أمَّة واحدة فقط، وهي ألبانيا المسلِمة، كانت ما تزال تَحتفظ في العام 2000 بِمُعدَّل مواليد كافٍ لِيُبقيها حيَّةً إلى أجَلٍ غير محدَّد، أمَّا بقية أوربا فقد بدأَت تموت”.

ويقول أيضا:

“مفارقة المفارقات، اليوم يضغط غربٌ نَصراني مُسِنٌّ يَموت على العالَم الثالث، وعلى العالَمِ الإسلامي، لِيَقبل منع الحمل والإجهاض والتعقيم مِثلَما فعل الغرب، ولكن لماذا عليهم أن يَدخلوا حلف انتحار معنا، في الوقت الذي يقفون فيه لوراثة الأرض عندما نكون قد ذهَبنا؟!”.

كما يعطي مقارنة بين تزايد السكان الصهاينة في فلسطين المحتلة والفلسطينيين، حيث يذكر أن معدل الخصوبة عند الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 هو 4,5 أطفال لكلِّ امرأة، وفي الضفَّة الغربية 5,5 أطفال لكلِّ امرأة، وفي غزة 6,6 أطفال لكلِّ امرأة، وهذه الزيادة في معدَّل الخصوبة بالنسبة للفلسطينيِّين والجيران العرب تضع الكيان الصهيوني بين فكَّيْ كماشة، ففي السَّنوات الخمس والعشرين المقبلة، سيَنمو عدد اليهود الصهاينة، فيزيد مليونين ومائة ألف نسمة (2,1)، بينما سيتعاظم عدد جيرانها العرب ويزدادون اثنين وستين مليونًا ومائتي ألف نسمة (62,2)، وبالطبع يُمْكنكم تخيُّل النتيجة المتوقَّعة.

وكانت النتيجة الحتميَّة لموت النصرانيَّة “المحافظة” في بلاد الغرب، أنه في الوقت الذي بدأتْ فيه النصرانيَّة تموت في الغرب، حدَث شيء آخر، “لقد بدأت الشعوب الغربية تتوقَّف عن إنجاب الأطفال؛ وذلك لأن الارتباط بين الإيمان الديني وبين إنجاز العائلات الكبيرة، هو ارتباط مُطلق، وكلما ازداد الوازع الديني عند شعب – سواء أكان نصرانيًّا، أم مسلمًا، أم يهوديًّا – كان معدَّل الولادة عنده أعلى”.

وصار القانون الجديد هو الواجهة الحضارية لثقافة الغرب: “اقْتل إيمان الأُمَّة، فيتوقَّف شعبها عن التوالُد، وعند ذلك ستدخل الجيوش الأجنبيَّة أو سيدخل المهاجرون؛ ليملؤوا الأماكن الشاغرة”.

وفي إحصاءِ إدارة السكان في الأمم المتحدة لعام 2001، ذكرَتْ أنَّه في العام 2000 بلغ العدد الإجماليُّ لسكَّان أوربا من “أيسلندا” إلى “روسيا” 728 مليون نسمة، ولكن وفقًا لمعدلات الولادة الحاليَّة، وبدون هجرة جديدة، فسوف يهبط عدد سكَّانها إلى 600 مليون نسمة مع حلول عام 2050، وترى دراسةٌ أخرى أنَّه رُبَّما يهبط العدد إلى 556 مليون نسمة مع منتصف القرن، “وآخر مرَّة أظهر فيها عدد سكان أوربا هبوطًا بِمِثل هذه الضخامة كانت أثناء الموت الأسود (الطاعون) من 1347 -1352”.

وقد هبط بالفعل معدَّل الخصوبة المتوسِّطة عند المرأة الأوربيَّة إلى 1,4 أطفال؛ علمًا بأنَّ الحاجة تدعو إلى 2,1 أطفال؛ لِمُجرَّد تعويض عدد السُّكان الموجودين حاليًّا، ويقول “بن واتينبرج” معلِّقًا على ذلك: “هذا لا يعني أن معدل النمو صفر، بل يعني أن معدل السكان صفر”.

ويرى “بوكانن” “أنَّه إذا لَم يرتفع معدَّل خصوبة أوربا فإنَّ عدد الأطفال الأوربِّيين تحت سنِّ الخامسة عشرة سوف يهبط بنسبة 40 % إلى 87 مليون نسمة بِحُلول عام 2050، وهذا في الوقت الذي يرتفع فيه عدد المسنِّين بنسبة 50% إلى 169 مليون نسمة، وسيكون متوسِّط عمر الأوربي 50 عامًا، وهو الأعلى في التَّاريخ، وقد كتب عالِمُ السُّكان الفرنسيُّ “ألفريد سوفي” عن أوربا، قائلاً: إنَّها توشك أن تصير قارَّة تتكوَّن من شعب مسنٍّ في بيوت قديمة وأفكار قديمة وهو ما يعني أنَّ موت الغرب أمرٌ لا مَناص منه، أو على وجه أصَحِّ ليس تنبُّؤًا بما سيَحدث، ولكنه تصويرٌ لِما يَحدث الآن”.

فقد ارتفعت الأعداد السنوية لعمليات الإجهاض في الولايات المتحدة من ستة آلاف حالة سنويا عام 1966 إلى 600 ألف عام 1976، بعد أن سمح بالإجهاض واعتبرت عملية قتل الأجنة حقا للمرأة يحميه الدستور، وبعد عشر سنوات وصل الرقم إلى (مليون ونصف حالة إجهاض) في العام الواحد.

أما نسبة الأطفال غير الشرعيين فهي تبلغ اليوم 25 في المائة من العدد الإجمالي للأطفال الأمريكيين ويعيش ثلث أطفال أمريكا في منازل دون أحد الأبوين (إما بدون الأب وهو الغالب وأما بدون الأم).

كما ارتفع عدد حالات الانتحار بين المراهقين الأمريكيين ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عام 1960، أما عدد مدمني المخدرات (المدمنين وليس المتعاطين) فقد بلغ أكثر من ستة ملايين شخص في الولايات المتحدة وحدها!!

إن انهيار الأسرة التي تمثل الوحدة الأساسية للمجتمع، وشيوع العلاقات الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية، إضافة إلى تشجيع وتقنين العلاقات الجنسية الشاذة بين أبناء الجنس الواحد، وارتفاع أعداد الإجهاض تبعا لهذه الثقافة قد أدى بالغرب إلى كل هذه الكوارث.

واليوم تحاول أطراف عدة أن تنقل هذه الطوام من الغرب، وتعمل جاهدة بشتى السبل على دفع مجتمعاتنا العربية والإسلامية على التطبيع مع هذه الفواحش، ومنها الشذوذ الجنسي، هذه الفعلة المنحطة والمستقبحة شرعا وعقلا ومروءة وذوقا، إذ كيف يأتي إنسان إنسانا آخر في دبره، وفي مكان مستقذر جعل لطرح فضلات الجسم، كله جراثيم ضارة ورائحة منتنة…

إن هذه المحاولات تستهدف ضرب القيم الأساسية لهوية الأمة ومحاولة إلحاقها بأمم جربت مثل هذه الطوام، كما رأينا أعلاه وشهد بذلك أبناؤها، فوصلت إلى الحضيض على مستوى شيوع الفاحشة والتفكك الأسري والمجتمعي وظهور وانتشار الأمراض التي لم تكن في أسلافهم. وكأن هذه الشعوب المسلمة أمة لقيطة لا أصل لها ولا فصل كمجموعة من الأصناف البشرية التي انبعثت من مزابل التاريخ وتريد أن تقيم لها حضارة على جماجم المستضعفين…

أغلب هؤلاء المنفذين الذين يعملون على نشر الفاحشة في الأمة ضحايا توظيف ماكر من قبل جهات لها مصلحة في خلخلة النسيج القيمي الاجتماعي للأمة، ومجموعة أخرى ابتليت في سياق انحرافات عامة تعرفها نوادٍ تمارس فيها أشكال من الموبقات من وراء جُدُرٍ…

إن هذه أمة لها دينها ولها أخلاقها ولها هويتها ولها تاريخها ولها تماسكها المجتمعي العام… كل ذلك يجعلها سدا منيعا أمام هذه الدعوات الشاذة للتطبيع مع الرذيلة ومع الأعمال والممارسات الساقطة.