أثارت مشاركة رياضيات من الكيان الصهيوني في بطولة دولية للجيدو بمدينة أكادير الأسبوع الماضي، وما رافقها من رفع للعلم الصهيوني وعزف نشيدهم الوطني، الكثير من السجال بين غالبية المغاربة الرافضة والمنددة بهذا العمل التطبيعي الشنيع، وبين بعض الأصوات المحسوب بعضها على مناضلين في أحزاب وتنظيمات سياسية التي ترى في الحدث أمرا عاديا وطبيعيا، ما دامت هذه المنافسات الرياضية تشرف على تنظيمها الفيدرالية الدولية للجيدو، والمغرب لا يحق له، كبلد مستضيف للمنافسات، أن يمنع أي دولة من المشاركة لأسباب خارج منظومة قوانين وقرارات الهيئات الرياضية الدولية، التي تعتبر اللجنة الأولمبية الدولية أعلاها وأكثرها ضبطا ومراقبة لسلوكات الرياضيين والدول في مجال المنافسة الرياضية.

فهل من حق المغاربة رفض مشاركة الرياضيين الذين يمثلون الكيان الغاصب “إسرائيل” في المغرب؟ ومحاسبة المسؤولين المتورطين في ذلك؟ أم أن ذلك مرفوض وغير مسموح به في الأعراف والقوانين الدولية المعمول بها في المجال الرياضي؟

المقاطعة الرياضية في العلاقات الدولية

لعل أبرز وأوضح مثال على استعمال مقاطعة المنافسات الرياضية كإجراء وموقف سياسي في النزاعات بين الدول هو قيام الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها معظم بلدان أوربا الغربية، بمقاطعة الألعاب الأولمبية لسنة 1980 م بمدينة موسكو، كرفض واستنكار للغزو العسكري السوفياتي لأفغانستان الذي انطلق قبل ذلك التاريخ بعام واحد، أي سنة 1979 م. وقد طالب الأمريكان حينها بسحب قوات الجيش الأحمر من ذلك البلد كشرط للمشاركة في أولمبياد موسكو، وهو ما لم يحصل.

إن هذه الألعاب الأولمبية، التي تعتبر الأهم في العالم، إلى جانب منافسات كأس العالم في كرة القدم، قد عرفت احتجاج بعض الدول المشاركة فيها، حيث قامت دول غربية كأستراليا والدنمارك وسويسرا… بتسيير وفودها في حفلي الافتتاح والختام من دون رفع أعلامها الوطنية والاقتصار على رفع العلم الأولمبي. كما لم يتم عزف نشيدها الوطني عند فوز وتتويج رياضييها بالميداليات، وإنما تم عزف النشيد الأولمبي.

وفي حفل اختتام ألعاب أولمبياد موسكو سنة 1980م لم يحضر عمدة مدينة لوس أنجلوس الأمريكية باعتبارها المدينة المستضيفة للدورة المقبلة للألعاب الأولمبية سنة 1984م لاستلام العلم الأولمبي، وإنما قام باستلامه أمريكي عضو اللجنة الأولمبية الدولية، كما لم يتم رفع العلم الأمريكي وإنما تم رفع علم مدينة لوس أنجلوس.

بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، احتضنت لوس أنجلس الأمريكية دورة الألعاب الأولمبية لسنة 1984 م، والتي قاطعها الاتحاد السوفياتي إلى جانب 13 دولة من حلفائه، كتطبيق لمبدإ المعاملة بالمثل ردا على مقاطعة الأمريكان وحلفائهم لألعاب موسكو.

إن هذه الوقائع كلها يمكن التدليل بها على أن الرياضة ليست بمعزل عن السياسة، بل هي في صلبها، وتخضع لتقلباتها والمصالح والأضرار المنبثقة عنها. كما أن سلوك المقاطعة الرياضية يمكن اعتباره أحد آليات العلاقات الدولية في زمن الحرب الباردة.

لماذا يقاطع المغاربة التطبيع الرياضي؟

لا يقبل المغاربة، بل يرفضون، كل أشكال التطبيع مع الصهاينة ومن جملتها التطبيع الرياضي الذي يحاول البعض، عن وعي أو عن غير قصد، تسويقه وتسويغه من خلال الادعاء أن الرياضة لا علاقة لها بالسياسة، وبالتالي إضفاء صفات النبل والمثالية على المنافسات الرياضية بشكل يجردها من كل اعتبارات إنسانية وسياسية.

إن استنكار ومعارضة المغاربة لكل محاولات التطبيع مع الصهاينة، والتي تلبس لبوس المشاركات والمسابقات الرياضية يستمد شرعيته وضرورته من عدة اعتبارات من أهمها:

ـ أن كل حاملي جنسية الكيان الصهيوني العنصري “إسرائيل” هم في الأصل جنود وضباط احتياط في الجيش الصهيوني، تلقوا تدريبات عسكرية في إطار الخدمة العسكرية الإجبارية في هذا الكيان العدواني، ويتم استدعاؤهم في وقت الحرب، وقد أثبت التاريخ أن كل حروب “إسرائيل” هي حروب وهجومات عدوانية هي التي تبدأ بإعلانها على البلدان والمناطق المحاذية لها، وترتكب فيها أفظع الجرائم بقتل المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء.

ـ أن الرياضة والسياسة في ظل العولمة تتداخلان إلى حد اعتبار الأولى إحدى آليات وواجهات العمل السياسي على الصعيد الدولي. ولا أدل على ذلك من تدخل الهيئات الرياضية الدولية في الشؤون الداخلية لبلدان العالم، خاصة دول العالم المستضعف، كما وقع في عدة بلدان عند انتخاب أو تشكيل اتحاداتها وجامعاتها الرياضية الوطنية. وما مثال انتخابات الجامعة المغربية لكرة القدم قبل سنوات عنا ببعيد. يضاف إلى ذلك العقوبات التي فرضتها ولا تزال تفرضها الفيفا على بعض اللاعبين الدوليين في كرة القدم عند رفعهم لشعارات التضامن مع قطاع غزة المحاصر. كما وقع للاعب المصري البطل محمد أبوتريكة.

ـ أن المقاطعة الشاملة للكيان الغاصب هي سلوك مدني متحضر تسعى إليه وتقوم به الشعوب التي تحترم حقوق الإنسان والكرامة الآدمية، وهو ما انخرطت فيه الكثير من شعوب العالم خاصة في دول أوربا، على الرغم من حملات التهديد والوعيد التي تتعرض لها من طرف اللوبي الصهيوني المتنفذ اقتصاديا وإعلاميا. ومن أمثلة ذلك رفع جماهير الكثير من الأندية العالمية للأعلام الفلسطينية في مدرجات الملاعب خلال إجراء مباريات فرقهم كنوع من الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني الأعزل، الذي يتعرض للتنكيل اليومي فوق أرضه من طرف قوات ومستوطني الاحتلال الصهيوني. ومن أبرز تلك الأندية نادي سيلتيك الاسكتلندي.

– اعتبار آخر يدعو المغاربة ويجعلهم يرفضون التطبيع الرياضي مع الصهاينة هو كون سكان هذا البلد أحرار في قراراتهم، و أسياد في أوطانهم، على الرغم من المحاولات البئيسة لبعض المهرولين. ولذلك فعندما يقوم الشعب المغربي بمقاطعة والتنديد بمشاركة واستقبال الصهاينة على أرضه، فإنه يمارس واجبا وحقا من حقوقه الشرعية والإنسانية والسيادية في رفض الاعتراف بالقتلة والمجرمين.

في الختام

إن مشاركة الوفد الصهيوني في بطولة الجيدو بمدينة أكادير الأسبوع الماضي، ورفع علم الكيان الغاصب وعزف نشيده الوطني، يعتبر جريمة وفضيحة في حق تاريخ وهوية وعقيدة الشعب المغربي المسلم، الذي يرفض، وسيظل إلى الأبد كذلك، أن يضع يده في أيدي قتلة الأطفال والنساء. كما يرفض أن تدنس أراضيه من قبل منتهكي الحرمات الآدمية، المعتدين على قدسية أماكن العبادة في فلسطين. وإن التطبيع مع الصهاينة مهما تعددت مظاهره ومجالاته، وتكررت محاولاته، فإنه سيبقى فعلا شنيعا يرفضه الأحرار والحرائر في المغرب والعالم، وإن مصيره ومآله إلى مزبلة التاريخ.